كيف تسقط المجتمعات؟
الأصل في المجتمعات الالتحام التام، بين أطرافها المختلفة: شعوبا ونخبا ومؤسسات، أما الشعوب فتمثل القاعدة العريضة للمجتمع، التي بفضلها تعم الحركة وإليها ويعود مردودها. أما النخب والمؤسسات، فلأن الشعوب بطبيعتها التي فُطرت عليها، لا تقود نفسها بنفسها، وإنما تحتاج دائما إلى من يقودها، من القيادات والعلماء والسياسيين، بفضل ما تتمتع به هذه النخب والمؤسسات من ميزات تميزها عن غيرها من فئات الشعب الأخرى، وهي صفات بطبيعتها تتسم بروح القيادة والقدرة على التشخيص والتكييف وتعديل الأمور، وهي صفات لا تقبل التعميم بطبيعة الحال، وإنما تتصف بها فئة من الناس لا تتجاوز نسبتها الـ2 بالمائة، وكما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم “تجدون الناس كإبل مائة، لا يوجد فيها راحلة” [أخرجه البخاري ومسلم].
النخب والمؤسسات بدورها ليست مستوى واحدا، وإنما هي مستويات تحددها مواقعها: مكانة ودورا في المجتمع ومؤسساته، وذلك لما بين هذه النخب من فوارق معرفية وإرادات وقدرات، وتنوع في التخصصات، إذ يوجد من بينهم العلماء والخبراء والأكاديميين، ومنهم من هم في مواقع أخرى اجتماعية واقتصادية، أعيانٌ وتجار وخبراء اقتصاد، ويوجد فيهم من هم في مواقع سياسية معينة مشرفون على إدارة المجتمع، فليس كل الناس سواء في مواقعهم ومكاناتهم وأدوارهم، وفي قدراتهم على الاهتمام بالشأن العام، وسياسة شؤون الناس، تلك هي الفئات الاجتماعية على العموم التي يمكن صياغتها في ثلاث فئات لا يخلو منها مجتمع مهما كان موقعه في خريطة العالم، فقرا وغنى، جهلا وعلما، تقدما وتأخرا، وهي فئات القيادات الثقافية، والقيادات الاجتماعية، والقيادات السياسية.
الحياة لا تستقيم إلا باحترام القانون وقدر من الأخلاق والقيم التراحمية للحفاظ على اللحمة الاجتماعية، من حيث أن احترام القانون وقدر معين من الأخلاق الاجتماعية التي ليست من مهام القانون، ليس منّة من أحد على أحد، وإنما هو الضامن الأول لحفظ الحقوق، وذلك لا يتم بالإملاء من جهة أو طرف، وإنما هي من صميم الرقابة الفردية الاجتماعية، فيما يعتاد الناس من سلوكات عفوية وكما قال الزعيم الهندي غاندي “لن تستحق الهند حقها في الحرية طالما كان المار على الرصيف في شوارع مدنها مثل بومباي، معرضاً للبصق من شباك فوقه”.
ويتمثل هذا الالتحام بين هذه الفئات وبينها وبين الشعب، في جملة من المعاني، ينبغي لها أن لا تغيب تحت أي مبرر كان، إذ يكون لغيابها انعكاسٌ سلبي لا مناص منه، مثل فقدان الثقة بين الفئة والأخرى، التي إذا غابت بين الشعبي والمسؤول مثلا، لا يمكن للحياة أن تستقيم، أو بين السياسي والأكاديمي، أو بين القيادات الاجتماعية من الأعيان والرسميين… لذلك كان لا بد من وجود حد أدنى من الثقة بين هذه الفئات كلها، وبينها وبين غيرها من فئات الشعب المتنوعة حتى تستقيم الحياة، فلا استقامة للحياة، بغياب ثقة الشعب في نخبه، ولا وجود لها في غياب ثقة النخب في شعوبها، كما لا يمكن أن تكون حركية اجتماعية مستقيمة والمجتمع منفصل عن مؤسساته الرسمية والشعبية، ومن باب أولى عندما يشعر كل منهم بالاستغناء عن غيره ممن يقاسمونهم الحقوق والواجبات؛ لأن الشعب في الأصل لا يمكنه الاستغناء عن نخبه، ولا النخب يمكنها الاستغناء عن شعوبها، ولذلك كان ولا يزال من الضروري للنخبة اقتحام الميدان من أجل النهوض بالمجتمع مهما كلفها ذلك من ثمن، حتى لا تسقط المجتمعات بما يعتريها من انحلال أو تهديد بالاندثار.
وعندما يطرأ على المجتمعات الانقسام والتشتت، فتنسحب النخب من الميدان، بسبب شعورها بالتهميش، وتنشغل فئات الشعب بقضاياها الآنية خارج الأطر استجابة لحاجات لا تراها متوفرة، أو بسبب عزلها عن المساهمة في بناء واقعها ومستقبلها، فيفقد الفرد في المجتمع صفة الاجتماعية، التي جُبل عليها الإنسان، فإنها لا يمكن لها الصمود أمام ضربات الانقسام الموجعة، فتسقط المجتمعات بسبب ذلك ولا تقوم لها قائمة، لا سيما عندما يغلب على أفرادها الحرص على المصالح الشخصية، دون الالتفات إلى مصالح الجماعة المتمثلة في الأسرة والتكتلات الوظيفية والحاجات الاجتماعية، جمعيات وأحزاب ومؤسسات اقتصادية وإدارات مختلفة.
وظهور هذه الآفات في الغالب يكون في غياب المؤسسات أوشرعيتها وهيبتها، أو بسبب انشغال القيادات الثقافية والاجتماعية عن مهامها القيادية في المجتمع، أو نتيجة تمرد الشعب على مؤسساته وعلى النخب أيضا، فيظهر الخلل في شكل اضطرابات متنوعة، وفي صورة طرق ملتوية خارج الطبيعة والشرعية والقيم الناظمة للمجتمع، فيدخل المجتمع بمؤسساته الرسمية ونخبة في دائرة مملوءة بالمخازي والموبقات التي لا أول لها ولا آخر، إذ يختفي الناظم للمجتمع، قيما وقوانين، ويصبح الهوى والمصلحة الشخصية الآنية هي الحكم والناظم لحياة الأفراد، وتختفي تبعا لذلك الأسباب الحقيقية لهذا السقوط عن الأنظار، فيتحول الناس إلى متبادلين للتهم الجاهزة، من دون انتباه إلى ما أصابهم من اختلالات نفسية، بسبب ذلك التباعد بينهم الذي أشعرهم بأنّ بعضهم مستغن عن بعضه الآخر. وتبعا لذلك، يتحولون إلى كتل متصارعة على أوهام لا يخرجون منها، لكونهم تبادلوا الاتهامات ولام بعضهم بعضا، بدل العودة إلى الذات ومحاسبتها بما لها وما عليها.
والشعب يرى أن السلطة هي التي بيدها الحل والعقد “يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، ومن ثم فهي المطالبة بتصحيح ما بها من اعوجاج؛ لأنها القادرة على القرار والتشخيص والتنفيذ، بينما السلطة ترى أن الشعب هو السبب بما ترى فيه من انحرافات فردية سلبية تعود بالضرر على الجميع، في سلوكات يومية تمثل قيما لا سلطان لغيره عليها، مثل نظافة الأحياء والحرص على القيام بالواجبات اليومية، وربما كيَّفت ذلك كما يقول بعضهم “كما تكونوا يولى عليكم”.
والنخب بدورها قد لا ترى نفسها مسؤولة عما يجري وربما قالت “الله لا يهزّ فاس على هراوة”، لأنها تلاحظ عيوبا كلها في السلطة والشعب معا، ولا ترى في نفسها أنها قادرة على فعل شيء، بسبب شعورها بالتهميش من هذا الطرف أو وذاك..
لا شك أن كل جهة من هذه الجهات التي وجدت ما تبرر به موقفها من الواقع المشاهد والمعيش ولها شيء من الحق؛ بل إنها تجد أحيانا من الأدلة والمبررات ما يضع حججها في المصاف الأولى من أسباب السقوط الحقيقية.
السلطة مثلا، تبرر اتهامها الشعب بالتقصير بالمخالفات القانونية والانحرافات الأخلاقية التي يقوم بها الشعب من قوانين المرور إلى التهرب من الضرائب إلى الرشاء والارتشاء إلى السكوت على المخالفات التي يشاهدها في الإدارة…
وهذا جانب مهم في مبررات السقوط الاجتماعي؛ لأن الحياة لا تستقيم إلا باحترام القانون وقدر من الأخلاق والقيم التراحمية للحفاظ على اللحمة الاجتماعية، من حيث أن احترام القانون وقدر معين من الأخلاق الاجتماعية التي ليست من مهام القانون، ليس منّة من أحد على أحد، وإنما هو الضامن الأول لحفظ الحقوق، وذلك لا يتم بالإملاء من جهة أو طرف، وإنما هي من صميم الرقابة الفردية الاجتماعية، فيما يعتاد الناس من سلوكات عفوية وكما قال الزعيم الهندي غاندي “لن تستحق الهند حقها في الحرية طالما كان المار على الرصيف في شوارع مدنها مثل بومباي، معرضاً للبصق من شباك فوقه” [الفكرة الآفروآسيوية 112]، وهي لفتة مهمة في ربط السلوك الأخلاقي الشعبي ببعده السياسي، فعندما لا يقوم الشعب بالواجبات التي عليه تجاه فئاته ومؤسساته، فإن حقوق الجميع تضيع ولا يوجد من يسدها؛ لأن مهمة السلطة هي إدارة المجتمع ومؤسساته، وليس خلق الشيء من عدم، ومن ثم فإن السلطة لا ترى في نفسها سببا في سقوط المجتمع؛ لأنها مجرد مدير لمؤسسات هي ملك لمجتمع بناها بالواجبات التي يقوم بها، فإن هو قصَّر في هذه الواجبات، فلا لوم عليها وإنما اللوم على الشعب الذي قصَّر.
كما أن الشعب أيضا -كما أسلفنا- غير مرشح ليقود نفسه، وإنما الذي يقوده هو نخبه ومؤسساته، ومن ثم فإن الاعوجاج لا يتسلل إليه إلا بسبب انحراف نخبه ومؤسساته، فهو مجبول على طاعة من يخدمه، ولكنه عصي على من يعصيه، ومرشح للتمرد على من يفرط في حقه، وعندما لا يصل الشعب إلى حقوقه عبر الطرق الرسمية، فإنه يلجأ إليها عبر ما يراه متاحا من الطرق المشروعة وغير المشروعة، ولذلك يلجأ الناس إلى المعارف والرشاوي والالتواءات المختلفة؛ لأنهم لا يؤمنون بما تصرح به المؤسسات الرسمية؛ لأن حبل الثقة المفقود بين الإدارة والشعب هو الذي يجعل الشعب لا يصدق ما يقال فيلجأ إلى الطرق الملتوية، والنخب بدورها ليست بعيدة عن هذا الجو المكهرب المحاط بعدم الثقة الذي غطى كل ساحات التعامل في الحياة، سواء كانت هذه النخبة من داخل مؤسسات السلطة أو خارجها.
وعدم الثقة هذا الذي فرض على الجميع سوء الظن والتقدير، كان من المفروض أن يفرض على الجميع مراجعة سلوكه وطريقة تعامله مع شركائه الآخرين، ولكن بدلا من ذلك، دفع بالجميع إلى المحافظة على الموقع وكفى، منهم من يحرص على إرضاء مسؤوله فقط، ومنهم من لا يخاف شيئا إلا عدم رضى غيره بسلوكه، ومنهم من لا يهمه شيء إلا مصلحته العاجلة حتى أن من الأمثال الشعبية الدارجة في تعريف السرقة “أن كل ما تصله إليه يدك ليس سرقة”!
هكذا تسقط المجتمعات بسقوط قيمها وعندما لا تشعر بالتقصير تجاه ما عليها من واجبات تجاه المجتمع ومؤسساته.