الرأي

كيف تصنع الثقافة وكيف تعمل؟

عمر أزراج
  • 5037
  • 9

في فترة التسعينات من القرن الماضي كنت أركز كثيرا على الاشتغال على البعد الثقافي – بما في ذلك جزء من ندعوه بالثقافة الشعبية – ودوره في صنع هوية الانسان وشخصيته القاعدية ومدى تحكمه في مواقفه وردود فعله.

 وفي الحقيقة فإن الذي نبهني بقوة إلى أهمية ومركزية البعد الثقافي هم مجموعة من المنظرين والمفكرين منهم العرب ومنهم الغربيون. ولكي أنفذ برنامج مشروع دراسة وفهم هذا البعد الحيوي فقد شرعت في الاستماع طويلا لما تضمه الكتب التي تتناول بالتحليل والنقد الثقافة كمفهوم وكممارسة.

أعتقد أن الفضل في إدراكي في فترة كهولتي لأهمية بعد الثقافة، ولكيفية تشكلها تاريخيا وكيف تكون بدورها سمات وخصائص شخصية الفرد أو المجتمع أو الأمة فيعود جزئيا إلى تلك العلاقة الحميمية التي نسجتها مبكرا مع كتابات سمير أمين، وفرانز فانون، ومالك بن نبي، وطه حسين، وسلامة موسى من جهة، ومن ثم متأخرا مع عدد من النقاد والمفكرين الغربيين الذي أولوا الثقافة كقوة تاريخية اهتماما كبيرا ومصيريا وأذكر منهم ريموند وليامز، وأنطونيو غرامشي، وستيوارت هول، وريتشارد هوغارت، وإدوارد طومسون، ورولان بارط، وكلود ليفي ستروس، ومارتن برنال، وغيرهم.

ويمكن لي القول إن بريطانيا الثمانينات من القرن العشرين كانت ساحة مفتوحة لمعركة تبدو في السطح معركة سياسية ولكنها كانت في العمق ثقافية طاحنة بين اليمين بقيادة حزب المحافظين وأيقونته مارغريت تاتشر من جهة، وبين اليسار البريطاني بكل ألوانه من جهة أخرى. في خضم هذا المناخ الذي كان يشتعل بالمناقشات كنت أتابع تفاصيل تلك المعركة على الثقافة يوميا وبالنتيجة أدركت أخيرا أن الساحة الحقيقية التي يربح، أو يخسر، فيها أي مجتمع معركة التقدم هي الساحة الثقافية التي تحدد بدون أي شك مصائر مستقبله. وبهذا الصدد فإنه من الواضح أن الانسان باستطاعته أن يحدث تغييرا في البنيات المادية بسرعة فائقة، وخاصة إذا توفرت له الامكانيات المادية، أما عمليات تغيير البنيات الثقافية والروحية والقيم والأعراف فتأخذ وقتا أطول وربما ينجح هذا المجتمع أو ذاك في انجاز بعض الخطوات القليلة، أو بعض القطيعات على مدى قرون طويلة.

 ولكن لا يمكن أن يتم في مدى سنوات معدودة كما يتخيل البعض بسذاجة. لفقد أدركت أيضا أن التقدم المادي المحض لا يتزامن بالضرورة مع التقدم الروحي والثقافي والأخلاقي. من بين الأفكار التي تعلمتها في المهجر البريطاني هي فكرة أن هذا المجتمع الذي تمكن من تفجير أول ثورة صناعية في تاريخ البشرية، ومن ثم نجح في صنع الصواريخ العابرة للقارات، والتلفزيون، وأنتج ولا يزال ينتج التكنولوجيا الراقية، ويطور ذكاءه العلمي الاقتصادي ولكنه بالمقابل لم يقدر حتى في أوج نهايات القرن العشرين، وعند دخوله في تخوم القرن الثاني والعشرين، أن يعالج، مثلا، بسهولة ظاهرة العنصرية على أساس التعقل والقانون بما يؤدي إلى بناء وازع وجماليات العيش المشترك بين الناس المقيمين فيه بغض النظر عن التباين العرقي، أو الاختلاف الديني، أو النسب الثقافي، أو أن يقلع جذور التفاوت الطبقي بصفة نهائية من بنيات الثقافة البرجوازية الرأسمالية الاستغلالية الجشعة، أو أن يزيل الممارسات المولدة للعنف الفيزيائي والرمزي من سلوك، ووعي، ولاوعي الكثير من أبنائه وخاصة من نفوس القطاع البشري المتشبث بأيديولوجيته اليمينية المتطرفة. وفي الحقيقة فقد أدهشني أن ألاحظ وجود العناصر الخرافية المتخلفة والسلوك الوحشي في نسيج بنية وتمظهرات العقل الذي يقدم نفسه على أنه عقل أوروبي حداثي أبيض والذي يزعم أنه يتصرف وفقا للمنطق الفيزيائي والرياضي. فما هو السبب في انعدام التطور المتزامن أو المحايث والمتكامل لكل العناصر المادية والثقافية سواء في المجتمع المتطور صناعيا وتكنولوجيا، أو في المجتمعات التي لم ترق بعد إلى درجات هذا السلم؟

في هذا السياق بالذات قد شدتني أفكار المفكر المصري سمير أمين وخاصة ملاحظاته الذكية التي ترصد الابعاد المكونة لأي مجتمع حيث نجده يقول بأنالبعد الثقافي هو البعد الأقل تقدما في المعرفة العلمية له، لدرجة أنه لا يزال محفوفا بالأسرار الخفية.” في تقديره فإنثمة أبعادا ثلاثة للواقع الاجتماعيإذا اعتبرناه في كليته البعد الاقتصادي، والبعد السياسي والبعد الثقافي، وحسب سمير أمينقد أنتج علم الاقتصاد الأكاديمي أدوات التحليل للظواهر الاقتصادية لابأس بها، وكذلك أدوات لإدارة الاقتصاد تتسم بقدر من الفاعلية، ولكن في المجال إدارة الحكم فلا يزالالتحليل العلمي في مجال السياسة والسلطة أقل تقدما بلا شك. أما البعد الثقافي في رأيه فإنهلايزال محفوفا بالأحكام العاطفية أو المسبقة والرؤى الرومانتيكية.

ويبدو الدكتور سمير أمين صريحا جدا عندما يعترف أنه ليس بصدداقتراح نظرية شاملة تعالج مشكلة مكان ودور البعد الثقافي في التاريخوبهذا الخصوص يمكن لنا تفسير فرضية المفكر الفرنسي ميشال فوكو القائلة بأن الانسان حدث جديد أ هذا وأعتقد أنه يعني بذلك أن العلوم الانسانية التيتجمهرتلكي تدرس الانسان هي علوم حديثة جدا وأنها في الوقت نفسه لم تقدر إلى يومنا هذا أن تجيب عن السؤال الكبير وهو: “ما هو الانسان؟ وهل يمكن معرفته دفعة واحدة علما أن هذا الكائن متحول دائما ولا يقر له قرار كما أنه يخفي في لا وعيه جبالا كبيرة من التناقضات، ومن الأسرار العصية على الاكتشاف والادراك بصفة نهائية.                                                        

*  في هذه المرحلة من تكويني الفكري وبفضل انخراطي الأكاديمي في حقل الدراسات الثقافية بجامعةشرق لندنالتي دامت ثلاث سنوات تعلمت درسا فكريا مهما وملخصه هو أنه من المستحيل دراسة الثقافة بمعزل عن سياقها الاجتماعي والتاريخي الخاص بها. وفضلا عن ذلك فقد فهمت من الأقطاب المؤسسين لهذا الحقل المعرفي المتعدد المنظورات والمناهج أن الدراسة الجادة للثقافة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار تأثيرات الأجهزة الأيديولوجية ذات الطابع الناعم وذات الطابع العنيف في تشكيل الذوات والهويات. فالذي فعله هو الاقطاب وهم بالدرجة الأولى ريتشارد هوغارت وريموند وليامز وإدوارد طومسون وستيوارت هول هو أنهم درسوا بطرق مختلفة كما قال الدارسان ضياء الدين سردار وبورين فان لون على التوالي: “الثقافة في المجتمع الانكليزي المؤسس على الطبقية.

 كما أنهم قدحاولوا فهم دور وتأثير الثقافة في لحظة حاسمة من تاريخه الخاص به. وأكثر من ذلك فإن جزءا من مهمتهم قد تمحورت حولكيف تمارس الثقافة وكيف تصنع الثقافة أو كيف تؤدي الممارسة الثقافية بمختلف الجماعات والطبقات إلى الصراع من أجل السيطرة الثقافية. ومن جهة أخرى فإن هذين الدارسين يلخصان في كتابهما الموسومالدراسات الثقافيةهذا الصراع بقولهما إنالنخبة المسيطرة قد عبرت عن قوتها بواسطة منح الشرعية وعرض أشكالها وممارساتها الثقافية عن طريق إسقاط حقول قيمها. وهكذا، فإن الصراع الثقافي يستدعي حربا من أجل الشرعية والمكانة الثقافية.”                                       

 * العلوم الانسانية التيتجمهرتلكي تدرس الإنسان هي علوم حديثة جدا وأنها في الوقت نفسه لم تقدر إلى يومنا هذا أن تجيب عن السؤال الكبير وهو: “ما هو الإنسان؟ وهل يمكن معرفته دفعة واحدة؟ علما أن هذا الكائن متحول دائما ولا يقرّ له قرار كما أنه يخفي في لا وعيه جبالاً كبيرة من التناقضات، ومن الأسرار العصية على الاكتشاف والادراك بصفة نهائية.                                                       

مقالات ذات صلة