كي مات علقولو عرجون!
تدمع الأعين الدم بدل الدموع، عندما يخطف الموت فجأة شخصيات “شعبية”، عايشها الجزائريون سنوات طويلة، بكلّ أحاسيسهم ومشاعرهم وقلوبهم.. لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.. الموت حقّ وكلّ نفس ذائقة الموت، كما أننا لا نسأل الله ردّ القضاء ولكن نسأله اللطف فيه.
الموضوع هاهنا، ليس لقلب المواجع.. وإنه ليس لنبش الجرح، بل إنه نبش الجراح، أفليست مصيبتنا جميعا، أنّنا نتعامل مع موتانا بمنطق “كي كان حيّ مشتاق تمرة وكي مات علقولو عرجون“؟
لقد انتقل قاسي تيزي وزو إلى رحمة الله، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه وألهم ذويه جميل الصبر والسلوان، وإنّا لله وإنا إليه راجعون.. لكن هل تذكـّر المعنيون “عمّي قاسي” بتمرة عندما كان حيّا يُرزق؟
السؤال يُطرح كذلك بالنسبة إلى فنانين عمالقة من وزن المفتش الطاهر و“لابرانتي” و“بوبقرة” وحسان تيرو ووردية وحديدوان و“عايش بـ 12″ ودحمان الحراشي والحاج محمد العنقى، وغيرهم من الكبار الذين وافتهم المنية، في ظروف ومراحل مختلفة، فما هو محلهم من الإعراب اليوم؟
نعم، هؤلاء مازالوا خالدين إلى الآن في ذاكرة الجيل الأول، وأيضا بالنسبة إلى جيل جديد، لم يعرف أغلب هؤلاء الراحلين، لكنه يتعايش ويعيش معهم عندما يُشاهد فيلما واقعيا أو يستمع إلى أغنية هادفة، وهذا هو أكبر تكريم لأولئك الذين ماتوا وما ماتوا!
ماتوا ولم يمت فنهم وبسمتهم الجميلة وكلماتهم الطيبة، لم تمت أمثلتهم وحكمهم، لم تمت إنسانيتهم.. ماتوا رحمة الله عليهم، لكن رسالتهم حيّة ترزق يتداولها جيل بعد جيل، والذي لا يعرفهم صورة يسمع عنهم اسما، ومن ير صورتهم في لقطة مهرّبة من الأرشيف الجميل ينقشها في ذاكرته إلى الأبد!
الكبار لا يموتون.. ولذلك لا يختلف الابن مع أبيه، والبنت مع أمها، في الشخصية القوية والاجتماعية والهادفة، لأمثال هؤلاء الذين اشتاق للأسف الكثير منهم إلى تمرة في حياتهم، ولمّا ماتوا “علقولهم عرجون“!
كم هو مؤثر، عندما تسمع آهات عائلات هؤلاء “المنسيين” من طرف الجهات المفروض عليها عدم نسيانهم، حتى لا يصبح الفنّ بلا تاريخ ولا ذاكرة ولا إنصاف، حيث يخلفه الإجحاف والسّيف والحيف، وتنتحر الرسالة على أسوار التناسي والإهمال و“حقرة” الرجال والنساء!
رحمك الله يا “عمّي قاسي“، ورحم الله السابقين من أمثالك الطيبين والخيّرين، ممّن ضحوا لإسعاد جماهير واسعة من الجزائريين، وحتى إن ضاع حقكم، فالأكيد أنه لن يضيع عند ربّنا الكريم.