الرأي

لا‭ ‬تبصق‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭!‬

جمال لعلامي
  • 5527
  • 8

موقف الجزائر من الأزمة الدامية في سوريا الشقيقة، وهو موقف كل من تونس وليبيا ومصر والعراق ولبنان، يؤكد إلى ما لا نهاية، أن هناك مواقف غير قابلة لا للتبدّد ولا للتجدّد ولا للتبدّد، فالأمر يا جماعة الخير، يرتبط بانتهاك سيادة دول مستقلة، وبتدخل أجنبي سافر، وأيضا‭ ‬باستخدام‭ ‬قوات‭ ‬عسكرية‭ ‬أجنبية‭ ‬في‭ ‬أراض‭ ‬عربية،‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك،‭ ‬فرش‭ ‬البساط‭ ‬الأحمر‭ ‬لاحتلال‭ ‬جديد‭!‬

كم هو مشجّع ومقوّ، عندما تقف تونس الخضراء وليبيا عمر المختار ومصر جمال عبد الناصر، ضدّ “مشروع” الاحتلال الجديد باسم “الربيع العربي”، وتحت غطاء “الثورات الشعبية”، وكم هو مؤثـّر عندما يتصدّى عراق صدام حسين لمخطط تفتيت الأمة العربية، ويُؤازرها في ذلك لبنان المقاوم‭.‬

 

نعم، الجزائر لا تستحي ولا تخفي، وقوفها الأبدي مع القضايا المصيرية، فقد كانت ومازالت مع فلسطين “ظالمة أو مظلومة”، ووقفت ضد غزو العراق، وضد قصف لبنان، وأصلحت ذات البين بين العراق وإيران، ووقفت ضد تدخل الناتو في ليبيا وضد أيّ تدخل أجنبي في تونس ومصر، ومازالت تساند‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬الغربية‭ ‬وحق‭ ‬شعبها‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬مصيره‭ ‬وتصفية‭ ‬آخر‭ ‬استعمار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

بنفس المبادئ ولنفس الأهداف، تقف الجزائر في السرّ والعلن، ضد التدخل العسكري في سوريا الشقيقة، وتقاوم الجزائر مثل تونس وليبيا والعراق ومصر ولبنان، لإبعاد التدخل الأجنبي في هذه الأرض الطاهرة، التي لا تستحقّ ما يجري بها هذه الأيام من اقتتال وفتنة واستباحة للدماء‭ ‬بين‭ ‬الأشقاء‭ ‬الفرقاء‭.‬

لقد زرت في وقت سابق، سوريا، وإلى اليوم مازالت إحدى العبارات التي قرأتها بأحد ربوع أراضيها الطيبة والمضيافة، تسكن وجداني وكياني، حيث كـُتب عليها بحبر من ذهب: “لا تبصق على هذه الأرض، إنها تستحق منك التقبيلا”، فهل تقبل هذه الأرض العربية يا ترى، أن يسيل بها دم‭ ‬الإخوة‭ ‬السوريين،‭ ‬وهل‭ ‬تقبل‭ ‬أن‭ ‬تدنـّسها‭ ‬مجددا‭ ‬أقدام‭ ‬القوات‭ ‬الغازية‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله؟‭.‬

على الرسالة أن تصل بسرعة إلى أولي الألباب، فوقوف تونس ومصر وليبيا، التي كانت وجهة لرياح “الربيع العربي”، ضد التدخل الأجنبي، ووقوفهم مع سيادة سوريا ووحدة شعبها وترابها، وتدعيمها لحلّ عربي-عربي، يُحيي الأمل المقتول في نفوس كلّ العرب، خاصة العرب الذين مازالت النخوة‭ ‬والقومية‭ ‬والكبرياء‭ ‬وعزة‭ ‬النفس‭ ‬تسكنهم‭ ‬وترفض‭ ‬أيّ‭ ‬تنازل‭ ‬أو‭ ‬استسلام‭ ‬أو‭ ‬خنوع‭ ‬أو‭ ‬ركوع‭.‬

من العيب والعار، للمرّة المليون، أن يستنجد بعض العرب بـ “الاحتلال” لتسوية خلافات ونزاعات تبقى عربية عربية، وتبقى داخلية، لا ينفع معها التدخل الخارجي، ولعلّ ما حدث بالعراق الذي استباح أرضه وعرضه المارينز، وما جرى بليبيا بصواريخ الناتو، يوخز كل العرب وأشباه العرب‭ ‬ممّن‭ ‬يحرّضون‭ ‬على‭ ‬انتهاك‭ ‬حرمة‭ ‬وسيادة‭ ‬سوريا‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬‮”‬حفظ‭ ‬الأمن‭ ‬والسلام‮”‬‭!‬

كان بالإمكان استعجال “القوات العسكرية”، سواء كانت عربية أو غربية أو أممية، للتدخل في فلسطين من أجل “حفظ الأمن والسلام”، وكان بالإمكان استعجال مجلس الأمن للتدخل في غزة لتوقيف المذابح والمجازر، عنها كان من الممكن الحديث اليوم عن استعجال التدخل العسكري في ليبيا‭ ‬أو‭ ‬سوريا،‭ ‬أو،‭ ‬غيرهما،‭ ‬باسم‭ ‬‮”‬حفظ‭ ‬السلم‭ ‬والسلام‮”‬‭!‬

لا أحد، من العرب، يُمكنه تبرير مساندة القتل والتقتيل والاقتتال، مهما كان مصدره ومهندسه ومبرره، لكن، لا أحد من العرب أيضا، سيكون بمقدوره تبرير التدخل الأجنبي حتى وإن تحوّل إلى قضاء وقدر، وصدق صلاح الدين الأيوبي، عندما قال: سمعتي أغلى من حياتي!

مقالات ذات صلة