لا تقبّلوا الآخرين بشفاهنا
من قال إن ما بين الشعبين المصري والجزائري قطيعة حتى يتحدث عن رأبِها؟ ومن قال أن قُبلتين عابرتين بإمكانهما أن تمسحا ما في القلوب من جراحات؟ ومن قال إن لسبّ الشهداء كلمةً في قواميس كل اللغات معنى للصفح عنها؟ كل هذه الأسئلة أجاب عنها الجزائريون دون انتظار بيان حكومي أو قرار سياسي أو رأي الأحزاب والمنظمات والجمعيات التي من عادتها أن تقول ما ليس في قلوب الجزائريين.
-
ما لا يعلمه الذين ظنوا أن تعانق وتبادل القبل بين السيدين محمد روراوة وسمير زاهر قادر على إعادة رقصات فيفي عبده لفضائياتنا وإيهاب توفيق لمهرجاناتنا هو أن الجزائريين لم يقاطعوا بعض المصريين بسبب خلاف بين رئيس الاتحادين أو بسبب الحجارة التي أصابت لاعبي الكرة في حكاية الحافلة الشهيرة، وإنما بسبب هؤلاء المسؤولين والمشاهير الذين وصفوا شعبا بأكمله بالقزمة وادعوا أنهم علموهم الرماية في ثورة التحرير والسباحة في لغة القرآن وركوب الخيل نحو النمو والتقدم، حتى كادوا يقولون ما قاله كبير مصر القديم “أنا ربكم الأعلى” وهم أنفسهم يعترفون أن كل الشتائم التي وصلتهم من الجزائر التقطوها من منتديات إلكترونية من شباب وربما صبية لا أحد يعلم أسماءهم أو أعمارهم.. بل وحتى جنسياتهم.
-
ولم نفهم لحد الآن ما هو هدف التهليل للقاء عادي بين رجلين تبارزا وعادا للتصالح أمام الكاميرات، وهذا شأنهما، فإذا كانت الخطوة المقبلة هي عودة رقصات فيفي عبده وغزل أحمد السقا ومنى زكي إلى فضائياتنا وإيهاب توفيق وحكيم إلى مهرجاناتنا، وأغاني هيفاء وهبي وتامر حسني إلى إذاعاتنا ومسرحيات عادل إمام إلى خشباتنا، فذاك لن يعود حتى ولو قدّم هؤلاء “المشاهير” من ساسة وإعلاميين ومثقفين وصفوا شعبا بأكمله بأنه لقيط ومزيج من الفرنسيين وسخروا من شهدائه اعتذاراتهم أمام الملأ. خاصة أن فضائياتهم كانت تعيد بث هذا السب الذي تورط فيه للأسف نجل الرئيس وإعلاميون كبار وفنانون احتضنهم الجزائريون وكرمّوهم في مناسبات عديدة، أما إذا كانت الخطوة المقبلة هي عودة روائع أم كلثوم وعبقريات عباس محمود العقاد ونجيب محفوظ ومكانة جمال عبد الناصر والشيخ محمد الغزالي وأشعار أحمد فؤاد نجم وإطلالة الإعلامي الدكتور علاء صادق وحمدي قنديل، فهي أصلا لم تذهب لتعود.. وواضح أن قبلات زاهر وروراوة لن تنفع في الحالتين.
-
جامعاتنا وشوارعنا ومدارسنا ومساجدنا تحمل أسماء شهدائنا، وبعض شهدائنا حملوا أسماء رجالات مصر، ولكن أزمة الكرة كشفت حقيقة الذين منحناهم فسحة اقتصادية حينما أغلق العالم الباب في وجوههم ليبيعوا في مدننا الزرابي والأثاث والكلام، ومنحناهم سواحنا رغم ما قدمه جيراننا وشبابنا، ومنحناهم مهرجاناتنا وقنواتنا بعد أن فعل الشاميون والأتراك والخليجيون الأفاعيل في فنهم، ومن حقنا أن نختار أسلوبا جديدا للتعامل مع “الأشقاء”، لأن الشهداء منا ونحن منهم ولا يهمنا في ذلك قُبلات رئيس اتحادية كرة القدم أو نصيحة سفير أو حتى خطاب صلح من رئيس الجمهورية، فنحن من طالنا السب عندما شتموا الرئيس بن بلة والمناضلة جميلة بوحيرد والكبيرة وردة والرائعة أحلام مستغانمي والعملاق الطاهر وطار، ونحن من أعلنا القطيعة مع كل الفضائيات المصرية، ونحن من رفضنا العودة لأننا لم نتورط أبدا في سب أحمد عرابي ومحمد علي وحسنين هيكل وشهداء العبور وسيناء المجاهدة، تعلمنا دائما أن نقول ما في صدورنا وليس ما في صدور حكامنا، وأن نبتسم بضواحكنا وليس بضواحك تحت الطلب أو الأمر، لأجل ذلك الذي قبّل غيره هو بالتأكيد لم يستعمل شفاهنا!