لا بديل عن السلم والمصالحة
9 سنوات تمرّ على استفتاء 29 سبتمبر 2005 حول ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، بعد ما صوّتت نسبة فاقت الـ97 بالمئة، على بنود هذا الميثاق، الذي بدأ وانتهى وتواصل باستفادة المئات من المسلحين من إجراءات العودة إلى المجتمع، وسّوى أيضا ملفات ظلت عالقة، بينها ضحايا الإرهاب والمغتصبات و”أطفال الجبل”.
وكان ميثاق السلم والمصالحة، قاعدة متينة لاستعادة الأمن والطمأنينة، بعد سنوات من العنف ومحاربة الإرهاب الأعمى، وسنوات من الرعب والترهيب وقطع الأعناق والأرزاق، وتيقن بعدها الجميع أن لا بديل عن المصالحة لإنهاء مراحل “المأساة الوطنية”.
لقد دفعت الجزائر الثمن غاليا، وسقط آلاف الضحايا، وسجلت مصالح البلديات والأمن والقضاء، آلاف الحالات للثكالى واليتامى والملاحقين والمهددين والمفقودين، وسجلت البلاد خسائر اقتصادية بالجملة، كادت أن تضرب بنيتها التحتية ومخزونها في الغذاء والمال!
لم يكن مسعى تحقيق السلم والمصالحة سهلا، لكنه لم يكن مستحيلا، بعد ما ضحّت البلاد والعباد بالنفس والنفيس، ولولا تضحيات رجال مخلصين في قوات الجيش والأمن والشرطة والدرك والعدالة والصحافة والإدارة والتربية والفلاحة والصناعة وكلّ القطاعات الحيوية والثانوية، وأيضا الوقفة الشجاعة للمواطنين البسطاء، رجالا ونساء، لكانت المصيبة مصيبتين!
الذي عاشه الجزائريون بمختلف توجّهاتهم وانتماءاتهم وولاءاتهم، وعبر مختلف أقطار الوطن، هو الذي يجعلهم اليوم أكثر حذرا وفطنة، ويجعلهم واقفون يدافعون عن هذا السلم والأمن بالمصالحة والمكافحة، كمسار طبيعي ومبدأ دائم غير قابل للتنازل أو التفاوض.
التجربة المريرة في مواجهة أخطبوط الإرهاب، هي التي جعلت من ميثاق السلم والمصالحة، التزاما وعهدا، يجب دعمه وترقيته والحفاظ عليه وعدم التفريط فيه، حتى لا تتكرّر المأساة والعياذ بالله، وحتى لا يسقط آخرون من الجيل الجديد في ما سقط فيه أوّلون من جيل قديم فهموا الدرس جيّدا!
هذه التجربة التي آلمت كلّ الجزائريين وأحزنتم وجرحتهم وأبكتهم، هي التي تجعلهم اليوم يصرخون بصوت الرجل الواحد، بالتنديد والاستنكار، وأيضا بالتأييد والدعم والتحذير، ودقّ ناقوس الخطر، حيال ما حدث ويحدث عبر بعض البلدان الشقيقة، التي يجتاحها ما يسمّيه خبراء بـ”الإرهاب الجديد”، الذي ينشط بأذرع مختلفة بينها ما يدعى “داعش”!
لم تعد التسميات بالنسبة للجزائريين، تصنع الفارق، طالما أن الهدف واحد، وهو ترهيب وتقتيل وترويع وتدمير واستباحة لدماء المسلمين والآمنين والمؤمّنين، ولأن “ما يحسّ بالجمرة غير ألـّي كواتو”، مثلما يقول المثل الشعبي الشهير، فإن الجزائريين لا يريدون تذكـّر ما قبل قوانين الرحمة والوئام وميثاق السلم والمصالحة، لكنهم يحتفظون بمرآة خلفية عاكسة للاستفادة والإفادة!