لا تتعجّبوا ولا تستغربوا!
لم يعد العثور على فأر أو “جرانة” في وجبات الطلبة بالأحياء الجامعية، يثير الكثير من الاستغراب والدهشة والفضول، فقد عثروا أيضا على “قرلو” في أطباق البيتزا والشوارمة في مطاعم الزحمة والرحمة، وعثروا على لحوم الحمير عند جزارين، وعثروا على “النخالة” في الدقيق والفرينة، وعثروا على نجارة الخشب في “الشمّة” وتوابل الأطعمة!
ألم يعثر البعض على ألواح خشبية و”كارتون” في جدران منازلهم الجديدة، بدل الآجر و”البيطون”؟ ألم يتورّط مقاولون في تزفيت الطرقات بالماء المدهون بالصباغة السوداء؟ ألم تفضح الأمطار “بريكولاج” بعض الأميار على مستوى البلديات والقرى؟ ألم تكشف تحقيقات تورط أو تواطؤ مسؤولين وموظفين وحتى “عسّاسين” في نهب المسمار والدينار والمليار؟
هي إذن، يا جماعة الخير، مرض، تحوّل للأسف إلى عدوى، وانتقلت الآن أو تكاد، إلى وباء قاتل، يحوم حول الكثير من القطاعات والتخصصات، وأخطر ما في الموضوع أن الخداع و”الهفّ” والنصب والاحتيال والكذب، أضحى جزءا من فنون التسيير والتدبير، ولذلك لا عجب في “الفأر” وصاحبه النكار الذي زوّق به وجبة عشاء الطلبة، كوادر المستقبل!
لماذا يُدهشنا “الفأر المسكين”، إذا كان مستوردون حسب ما تكشفه قائمة المواد الـ851 الممنوعة من الاستيراد، بسبب التقشف، قد برعوا لعدة سنوات في إغراق الأسواق والمحلات في الجزائر بأفخاذ الضفادع وأحشاء “كلب الماء” ومختلف أنواع المخلوقات الطائرة والزاحفة، فإما يكون المستهلك الجزائري قد أكلها ضمن أطنان اللحم المفروم أو “المرقاز” أو في “البايلا” التي أذهلت المتعوّدين على التلذذ بها في الأفلام المدبلجة!
إنه الخداع “دار كراع”، وأصبح “شطارة” يتهافت عليها هؤلاء وأولئك، ويتنافس عليها محتالون ونصابون ومخادعون، لا يهمهم الذوق العام، ولا الصحة العمومية، ولا احترام القوانين، ولا الأخلاق، ولا الخوف من الله، ولا “دعاوي الشرّ” من الضحايا والمتضرّرين، وفي ذلك، عديد النماذج والعيّنات التي تروي المأساة العميقة التي تضرب نخاع المجتمع الجزائري!
المقاول أو “الماصّو” الذي “يحشي” الورق عوض الإسمنت المسلح، هو “مجرم” مع سبق الإصرار والترصّد، لا يختلف كثيرا عن المستورد الذي عبّأ الحاوية بالحجارة على أساس أنها “حفاظات”، أو حاول إدخال حليب أطفال منتهي الصلاحية، ولا فرق بينهما وبين من يهرّب “الدوفيز” أو “الخردة”، أو يبيع المستهلكين سلعا مشبوهة ويضع عليها وسم “حلال”!
أزمتنا عميقة ومعقدة، والسبب تشاركي، ولمن يشك في هذه المقاربة، عليه أن يتابع كيف أصبح المجتمع ينظر إلى “الباندي” و”خرّيج السجون” و”الهُزّي”، وكيف يتعامل مع الإمام والأستاذ والطبيب!