الرأي

لا تقتلوا الأبطال!

جمال لعلامي
  • 4340
  • 3

فوز العداء الجزائري توفيق مخلوفي بالميدالية الذهبية في سباق الـ1500 متر ضمن الألعاب الأولمبية بلندن، هو بطبيعة الحال فوز لكلّ الجزائريين، ولأن الله يُمهل ولا يُهمل، فقد دوّى نشيد “قسما” في سماء المملكة البريطانية، ملقـنا جريدة “التلغراف” درسا في الوطنية، بعد ما أساءت إليه وصنّـفته ضمن “أسوأ” عشرة أناشيد وطنية عبر العالم.. لكن هيهات.

لقد اقتصّ مخلوفي لكل الجزائريين من “التلغراف”، مثلما اقتصّ الخضر لكلّ الجزائريين من الحرامية والبلطجية خلال المونديال الأخير، لكن علينا أن لا نـُهمل عملية البحث عن ظروف نجاح مخلوفي، مثلما تمّ إهمال نجاحات مرسلي وبولمرقة وسرباح وقريشي، وغيرهم من أبطال الرياضة الجزائرية الذين حملوا علم الشهداء فوق أكتافهم.

يا للعار، عندما تسمع مدرب مخلوفي السابق يقول بأنه كان يشتري له “الصاندويشات” حتى يُقاوم الجوع، وأن ذوي البرّ والإحسان كانوا يُساهمون في توفير إقامة لائقة لهذا البطل الذي أهدى للجزائر ميدالية ذهبية وقطع لسان وأقلام “التلغراف”!

مصيبتنا أننا نقتل الكفاءات والقدرات وندفن المواهب والطاقات في مقبرة الإهمال و”الحڤرة” والتمييز والمفاضلة، وطامّتنا الكبرى، أن مسؤولين في قطاعات حيوية، تحوّلوا إلى “حفـّاري قبور” لكلّ من يرفع رأسه ويثبت جدارته وحيويته وقدرته على البروز وتشريف البلاد والعباد!

نعم، عيبنا أننا سمحنا للرداءة أن تنتصر على الكفاءة، عن طريق الغش والتدليس والتزوير واستخدام المزوّر والنصب والاحتيال، والأخطر من ذلك، أن عدّة قطاعات بدل أن توفر الإمكانات والأغلفة المالية لفائدة المتألقين والناجحين، فإنها منحتها بلا حسيب ولا رقيب للفاشلين والعاجزين وللبزناسية أيضا، فكانت الهزائم المرّة حتما مقضيا!

لا يُمكن لأيّ جزائري أن ينسى “التبزاع” الذي تعرضت له “أموال البايلك”، في نشاطات استعراضية باهتة وغير منتجة، وبعضها أنفق في “الشطيح والرديح”، لكن عندما تعلق الأمر بمصاريف لتشجيع الاختراعات والاكتشافات، فإن البُخل يصبح يتبختر بأرجله ذات اليمين وذات الشمال!

..قديما قالوا: “دراهم المشحاح ياكلهم المرتاح”، ولذلك يُنفق على الفاشل أكثر ممّا يُنفق على الناجح، وهو ما يبرّر إتخام مخلوفي بـ”الكاسكروطات”، لكن الحاجة كانت أمّ الاختراع بالنسبة له، مثلما حصل مع العديد من الأبطال في عدّة ميادين واختصاصات.

من الضروري تصحيح المفاهيم بثورة حقيقية تستهدف العشوائية والفوضى وسوء التسيير، ومن الأفيد إعطاء كلّ ذي حقّ حقه، ومن المهم تجاوز عقلية “كي كان حيّ مشتاق تمرة وكي مات علقولو عرجون”، وهو ما لا يجب أن يحصل للبطل مخلوفي، وغيره من الأبطال الذين حققوا النصر بالنفس والنفيس والإرادة والكبرياء!

علينا جميعا أن نكرّم المنسيين و”المحڤورين” والمحتقرين والمعزولين بالتهميش والإقصاء، حتى لا يتمّ اغتيال الرغبة في الانتصار، وحتى يغيب الانكسار، ولا يتحوّل كلّ فائز إلى مكسور الجناح، وحتى تكون البطولة تحقيقا ينبغي دعمه ومكافأة صاحبها، بدل اجتثاث الرغبة في صناعة البطولات!

مقالات ذات صلة