الرأي

لا تكن كنودا ولا حسودا

سلطان بركاني
  • 2027
  • 1

رأينا في مقال سابق أنّ الرضا عن الله أهمّ سبب موصل إلى رضوان الله -تعالى- عن عبده، وأهمّ سبب للسّعادة في الدّنيا والآخرة، وأنّ أعظم سبب للتعاسة والشّقاء والنكد في هذه الدّنيا هو قلّة الرضا عن الله؛ كثرة الشكوى إلى المخلوقين، والنّظر إلى النقائص ونسيان النعم الكثيرة، وهذه حال كثير من أهل هذا الزّمان الذين حقّ فيهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، والكنود هو الذي يحصي النّقائص والمصائب ويعدّدها، وينسى النّعم والمنح ولا يشكرها.

يظلّ العبد يتقلّب سنوات في نعم الله؛ بين رزق يكفيه، وصحّة في بدنه، وعافية في أهله وأبنائه؛ فينسى شكر المنعم، حتّى إذا زالت عنه نعمة أو نزلت به نقمة تُذكّره بخالقه ومولاه وبأنّ هذه الدنيا زائلة فانية، وتأخذ بقلبه إلى الله والدّار الآخرة، نسي ما كان فيه من نعم، وتسخّط على أقدار الله، وقد يصل به الأمر إلى أن يعاتب خالقه قائلا: “علاه يا ربّي علاه؟”! ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾.

من أسباب التعاسة والضّيق أيضا أن ينظر العبد إلى ما ينقصه ولا ينظر إلى ما يملكه.. يُروى في قصص الأمثال أنّ ملكا من الملوك سأل وزيره الحكيم يوما: لماذا أجد أنّ خادم حديقة القصر سعيد في حياته أكثر منّي وهو الذي لا يملك شيئا، وأنا الملك الذي أملك كل شيء متكدر المزاج؟! أجاب الوزير: جرِّب معه امتحان الـ99. قال الملك: امتحان الـ99! ماذا تقصد؟! قال: ضع 99 دينارًا في صرة واكتب على الصرة: “هذه 100 دينار هدية لك”، وضع الصرّة عند بابه، وانظر ماذا سيكون من أمره؟ فعل الملك ما أشار به الوزير، فأخذ الخادم الصرة، فلما عد الدنانير التي فيها وجدها 99 دينارا! فقال: لا بد من أن الدينار النّاقص وقع في الخارج؛ فخرج مع أهل بيته يفتشون، وذهب معظم الليل قبل أن يعودوا إلى البيت خائبين، ما أغضب الأب وجعله يرفع صوته غاضبا من أبنائه، وأصبح من غده متكدّر الخاطر، وغدا إلى قصر الملك على تلك الحال! عندما رآه الملك، فهم مقصد وزيره من امتحان الـ99.

نِعمٌ كثيرة أغدقها الله علينا في هذه الدّنيا، لا نستمتع بها بل ربّما لا نشعر بقيمتها، ونقضي سنوات أعمارنا كلّها نبحث عن النعم المفقودة التي ربّما لا تصلح لنا، وربّما يكون بها فساد دنيانا وضياع أخرانا.. نبحث عما لم يقدره الله لنا ومنعه عنا لحكمة لا نعلمها.

ومن أعظم أسباب التعاسة أيضا: النظر إلى ما في أيدي الآخرين؛ تقليب البصر في العطايا التي حرم منها العبد وحظي بها الآخرون؛ ما يفسد على العبد الاستمتاع بما في يديه.. إذا رأى في يد شخص متاعا أكمل أو أجمل مما في يده تحسّر على أنّه لا يملك مثل ذلك المتاع! وهو لا يدري أنّ ما يملكه ذلك الشّخص ربّما يكون تعويضا له عن شيء آخر حرم منه، لا يدري لعلّ ذلك الشّخص الذي يركب سيارة جميلة مريحة -مثلا- ربّما ابتلي بمرض لا يظهر للنّاس، مرض نفسيّ أو زوجة مريضة أو ابن مبتلى؛ يقول الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131].

العبد المؤمن الموقن بعدل الله والعالِمُ بأنّ هذه الحياة الدّنيا دار امتحان، يتمنّى أن يكون أحسن حالا في أمور دينه ودنياه، لكنّه لا ينسى النظر في أمور الدّنيا -خاصّة- إلى من هم دونه في العطاء، ليحمد الله ويشكره ويستشعر جزيل ما أعطاه الله، يقول الحبيب المجتبى -صلى الله عليه وسلم-: «انْظُروا إلى مَن هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقَكم؛ فهو أجدرُ ألاَّ تزدروا نعمةَ الله عليكم» (رواه مسلم).. ولا ينظر نظرة حسرة إلى من هم فوقه ممّن تخفى عليه دواخلهم وكثير من أحوالهم التي لو علمها لحمد الله على ما هو فيه.. ولعلّ من أعظم أسباب اضطرام نيران الحسد في قلوب كثير من النّاس، مع ما يتبع ذلك من تسخط على عطاء الله، أنّهم يقلّبون أبصارهم فيما عند الآخرين، ويغفلون عمّا عندهم ولا يملكه الآخرون.. الله اللطيف الخبير قسّم الأرزاق بين عباده، بما تقتضيه حقيقة الحياة الدّنيا وما يقتضيه كونها دار بلاء لا دار جزاء، لحكمة بالغة، حتّى يتعاون النّاس ويتكاملوا ويواسي بعضهم بعضا: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزّخرف: 32).

ليس المقصود بهذه الكلمات أن يسكت العبد عن طلب حقّه وأن يرضى بظلم وقع عليه، إنّما المقصود ألا ينظر نظر حسرة وتسخّط إلى ما لم يبلغه بسعيه وما قصرت دونه يده، أمّا حقّه المسلوب فتلك نعمة يشكر عليها الخالق ويطالب بها من أخذها منه، وما ضاع حقّ وراءه طالب.

مقالات ذات صلة