-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا تُسقط حلمك المهني على ابنك

بقلم: اسية عثمانية
  • 545
  • 0
لا تُسقط حلمك المهني على ابنك

في نهاية كل موسم دراسي، تتكرر القصة نفسها: تلميذٌ يحصل على معدل متوسط، يرغب في ولوج شعبة الآداب لأنه يحب التاريخ أو يعشق اللغة، فيصطدم بولي أمر غاضب يصرخ: “لا يا ولدي… الأدب ما يوكّلش الخبز!”

وبالمقابل، تلميذ آخر بالكاد عبر عتبة النجاح، يُدفع دفعًا نحو شعبة العلوم، لأن “العلوم هي المستقبل”، هكذا قيل، وهكذا استقر في الأذهان.

في قلب هذه المفارقة الصادمة، نجد خللًا ثقافيًّا عميقًا في نظرتنا للتعليم، وغيابًا تامًّا للرؤية التربوية الشاملة التي تُراعي الفروق الفردية، والميول النفسية، والملمح الشخصي للتلميذ.

ما يجري اليوم في مؤسسات التربية والتعليم مع ملف التوجيه، لم يعد مجرَّد ظاهرة معزولة، بل صار أزمة صامتة، تُدار بأدوات تقليدية وسط طوفان من الضُّغوط العائلية، وتصوُّرات مجتمعية قاصرة، وأحيانًا بممارسات إدارية لا تُنصف التلميذ ولا تُهيّئه لاختيارات مسؤولة.

من المرشد إلى المتحكِّم

في الأصل، يفترض أن يكون ولي التلميذ شريكًا داعمًا في عملية التوجيه، يستمع، يناقش، يحفّز، يُرشد، لا أن يتحوّل إلى “موجّه ظل”، يُملي على المؤسسة رغباته، ويُفرغ التوجيه من مضمونه التربوي.

تدخّل الأولياء –وإن كان نابعًا من حرص مشروع– صار اليوم في كثير من الحالات ضغطًا سلطويًّا يعبث بمستقبل أبنائهم، إذ يتجاهل رغبة التلميذ وملمحه الدراسي، لصالح “صورة اجتماعية” يريدها الولي، أو “حلم مهني” يُسقطه على ابنه من دون وعي.

من هنا تبدأ المعاناة: تلميذٌ في شعبة لا يريدها، لا يُبدع فيها، ولا يرى نفسه فيها، فقط لأنّه “ابن الطبيب، أو الأستاذ، أو التاجر”، ولأنه خُيّل للوالد أن المكانة الاجتماعية لا تُصان إلا بالعبور من بوابة العلوم، وكأنّ بقية الشعب مجرد محطات للضعفاء أو الفاشلين.

إمبراطورية الأحلام المُبالغ فيها

نعيش اليوم تمجيدًا جماعيًّا لشعبة العلوم، إلى حدّ الهوس.

هذا الامتداد المجتمعي في الاعتقاد بأن شعبة العلوم هي الشعبة الوحيدة التي تؤدّي إلى النجاح، حوَّل التوجيه إلى سباق غير نزيه. حتى تلاميذ بمعدّلات متواضعة، يرغب أولياؤهم في إدخالهم عالم العلوم بأي ثمن، ضاربين عرض الحائط بمبدأ الملمح المدرسي.

لكن لا أحد يطرح السؤال المؤلم:

كم من تلميذ فشل دراسيًّا ونفسيًّا لأنه اختار –أو أُجبر على اختيار– شعبة لا تمتّ إليه بصلة؟

وكم من طاقات ذُبحت تحت عنوان “العلوم أولًا”، فخسرنا كفاءات كان يمكن أن تتألق في الآداب، أو الفنون، أو الفلسفة، أو علم الاجتماع، أو حتى الاقتصاد؟

العلوم ليست سُلّمًا اجتماعيًّا، وينبغي أن لا تُعامل كدينٍ علمي جديد. هي شعبة ضرورية، نعم، لكنها ليست قدرًا إجباريًّا لكل من حصل على معدل جيد.

عزيزي الولي، لا تُسقط حلمك المهني الذي لم تحقِّقه على ابنك.

دع ابنك يكون ما يريده، لا ما تريده.

فالتوجيه المدرسي، في جوهره، ليس اختيار تخصص فقط، بل هو اختيار حياة.

اختر له الحياة التي يريد، لا الحياة التي تمنّيتها لنفسك ذات يوم ولم تنلها.

فربما لم يُخلق ابنُك ليكون عالمًا، لكنه قد يُصبح صاحب فكرٍ يُغيّر العالم.. فقط إن سمحت له أن يختار.

شعبة الآداب.. المُتهم الأبدي

شُعب الآداب واللغات والتسيير تُعامل مجتمعيًّا كأنها “الخيار الرديف”، الخيار المتاح فقط لمن فشل في بلوغ المعدَّلات المؤهِّلة للعلوم.

الواقع أن هذا الحكم القاسي ليس فقط مجحفًا، بل يُظهر ضحالة فهمنا لمفهوم الذكاء البشري.

لماذا نُصرّ على أن الذكاء يُقاس فقط بالقدرة على حل معادلات كيميائية أو حسابية؟

ماذا عن الذكاء اللغوي؟ ماذا عن التعبير؟

ماذا عن التحليل والنقد والمقاربة؟

أليست هذه قدراتٍ معرفيةً يجب احترامها؟

ألم يكن طه حسين، ومحمود درويش، ومالك بن نبي، وجون بول سارتر، وإدوارد سعيد، جميعا أبناء الفكر والكلمة، لا أتباع المجهر والمختبر؟

الآداب ليست ملاذًا للفاشلين، بل فضاء للتأمل والإبداع والفكر العميق، لكننا اختزلناها في رماد، رغم أنها كانت –ولا تزال– شعلة النهوض الثقافي لأي أمّة.

التلميذ الحلقة الأضعف

وسط هذا كله، يبقى التلميذ هو الحلقة الأضعف: صوته خافت، رأيه غير محسوب، ميوله تُختزل في ورقة، وتُسحق أحيانًا تحت ضغط التوقعات العائلية أو التعليمية.

في منظومات تعليمية متقدِّمة، يُبنى التوجيه على اختبارات نفسية ومهارية، على مقابلات مع المختصّين، على تحليل دقيق لمسار التلميذ من الابتدائي إلى المتوسط، وليس فقط على المعدل الرقمي المجرد.

أما عندنا، في كثير من الأحيان، فملفُّ التوجيه يُعدّ في بضعة أيام، ويُعتمد وفق جدول آلي يفتقر إلى البعد الإنساني والتربوي.

نحتاج إلى ثورة صامتة في طريقة تفكيرنا بالتوجيه؛ أن نُربّي أبناءنا على الوعي بالذات، على حرية الاختيار، على الثقة في ميولهم، لا على الرضوخ لإملاءات نمطية.

نحو ثقافة توجيه بديلة

التوجيه الحقيقي لا يُبنى على المعدَّل فقط، بل على الموهبة.

ما الذي يُجيده التلميذ؟ ما الذي يُحبّه؟ ما الذي يستعدّ لبذل جهده من أجله؟

إن التلميذ الذي يُحبّ الأدب سيصنع فرقًا أكبر فيه من طالب في شعبة العلوم لا يرى في الفيزياء سوى كابوسٍ يوميّ.

علينا أن نُعيد الاعتبار لثقافة التوجيه المبني على الملمح، وعلى المدارس أن تُفعّل خلايا التوجيه والإرشاد النفسي أكثر من أي وقت مضى.

كما أن الإعلام التربوي –وهنا تأتي أهمية الصحافة– يجب أن يُساهم في تغيير هذه الصورة النّمطية التي تربط النجاح بالعلوم، والفشل بالآداب.

نحتاج إلى مجتمع يؤمن أن الطبيب ليس أهمَّ من الأديب، وأن المهندس لا يفوق المعلم قيمة، وأن كل إنسان، في موقعه المناسب، قادر أن يصنع أثرًا.

لا تُسقط حلمك على ابنك

عزيزي الولي، لا تُسقط حلمك المهني الذي لم تحقِّقه على ابنك.

دع ابنك يكون ما يريده، لا ما تريده.

فالتوجيه المدرسي، في جوهره، ليس اختيار تخصص فقط، بل هو اختيار حياة.

اختر له الحياة التي يريد، لا الحياة التي تمنّيتها لنفسك ذات يوم ولم تنلها.

فربما لم يُخلق ابنُك ليكون عالمًا، لكنه قد يُصبح صاحب فكرٍ يُغيّر العالم.. فقط إن سمحت له أن يختار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!