-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا شماتة في الموت ولا رجولة في التشفي

التهامي مجوري
  • 716
  • 0
لا شماتة في الموت ولا رجولة في التشفي

عندما قرأت واستمعت لبعض الآراء والمواقف من الشامتين والمتشفين في مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خمينائي، تذكرت مبالغات ومواقف المسلمين من بعضهم البعض ومن مخالفيهم في قليل أو في كثير من الأمور، وتذكرت أيضا ما قلته لبعضهم من المختلفين من المسلمين في المذاهب والآراء والمواقف ولا زلت: “إذا لم تستطيعوا أن تكونوا مسلمين في تعاملكم مع بضعكم البعض، فكونوا رجالا”؛ لأن الرجولة والفحولة في المنطلق العربي الإسلامي من مشتقات مكارم الأخلاق التي استصحبها الإسلام في منظومته الأخلاقية “… ‌الناسُ ‌معادِنُ، خِيارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهم في الإسلام، إذا فَقُهُوا، تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ…” [أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة].
التعاطف مع قتيل مظلوم، لا يعني الرضا عن كل ما قال وفعل واتخذ من مواقف، لاسيما عندما يكون هذا القتيل المظلوم قائدا سياسيا، ولا قبولا بما قامت به السلطة التي ينتسب إليها في الكثير مما صدر عنها تجاه شعوبٍ من العالم الإسلامي وهي هنا السلطة الإيرانية، ولا على موافقة الدولة الإيرانية وعلى كل ما تفعل، وما كتبته -شخصيًّا- في مناسبات مختلفة وسجلته من آراء ومواقف من تصرفات إيران في المنطقة، يغنيني عن تكرار ذلك هنا، لعدم مناسبة ذلك للحدث الذي يمر به الشعب الإيراني، من اعتداءات وقصف وتدمير له ولمؤسساته ومنجزاتها ورجاله، وخاصة في هذا الموقف المتمثل في مقتل الرجال والقيادات التي طالتها صواريخ العدو الصهيو- صليبي.

السيد علي خمينائي ليس كأحد من الناس، فهو رقمٌ كبير في قومه وشعبه، وليس من اللباقة والأدب الاستهانة بهذا الرجل، وأقل ما يمكن اعتباره حقا له علينا كمسلمين، احتراما وتقديرا للشعب الإيراني، مواساته في محنته وتعزيته في قياداته كلها وأهمها قياداته الدينية، ولو من جانب واحد. بقطع النظر عن الموقف المبدئي من المؤسسات وأنشطتها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون).

أولا: الموقف جلل، والمؤمن مهما كانت آراءه في القتيل لا يمكن أن يسعه إلا إجلال المشهد وإعطاؤه حقه على الأقل مثلما فعل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مع جنازة اليهودي التي مرت بين يديه فوقف، ولما سئل قال “أليست نفسا؟”، اللهم إلا إذا كان بعضنا يعتقد أنّ السيد علي خمينائي أسوأ من اليهودي! ومع ذلك لا مبرر للتشفي وللشماتة؛ لأن الموت نهاية كل حي، يذوق طعمه العادل والظالم والعزيز والحقير، الغني والفقير…
ثانيا: السيد علي خمينائي ليس كأحد من الناس، فهو رقمٌ كبير في قومه وشعبه، وليس من اللباقة والأدب الاستهانة بهذا الرجل، وأقل ما يمكن اعتباره حقا له علينا كمسلمين، احتراما وتقديرا للشعب الإيراني، مواساته في محنته وتعزيته في قياداته كلها وأهمها قياداته الدينية، ولو من جانب واحد. بقطع النظر عن الموقف المبدئي من المؤسسات وأنشطتها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون) [المائدة: 8]، ومن العدل مواساة المصاب في مصيبته، وأقل الإمساك عن التشفي والشماتة. وإذا لم نفعل لا يحق لنا الإنكار على من نخالف.
ثالثا: الرجل وإخوانه من القيادات الإيرانية، قُتلوا بصواريخ ونيران ألدّ أعداء الأمة الإسلامية من الصهاينة والصليبيين، وذلك يستدعي منا الاحترام والتقدير لمن مات بنيران هؤلاء وصواريخهم، تعاطفا معهم والعمل على التعبئة المناسبة لإيقاف هذا العدو عند حده… أليس من المعقول أن يكون التعاطف مع مطلق المظلوم الذي يتعرض للظلم والإهانة؟ ثم أيكون التعاطف مع الذليل فيستحق الرحمة، أولى من التعاطف مع المغدور الذي فقده ذووه، لاسيما وقد أدننا وشجبنا فعل بعضهم، ممن أفرغوا شحنات أحقادهم يوم قرروا نحر الرئيس صدام حسين صبيحة يوم العيد الأضحى 2006، فكان فعلهم أشنع من فعل اليهود والنصارى والمشركين.
رابعا: الرجل مات قتيلا دفاعا عن بلاده في مواجهة عدوٍّ له ولم يخضع لقراراته الظالمة، وفضَّل الموت على المساومة في الدفاع عن حق أرادوا حرمانه منه… وقد عُرض عليه اللجوء إلى مخبإ لن يصله فيه سلاح العدو، ولكنه رفض؛ لأنه لم ير ذلك مناسبا له كقائد يحرص على نجاة نفسه بالتخلي عن شعبه الذي يواجه آلة الموت بجميع صورها؛ بل إن بعض التسريبات تقول إنه تنازل قبل أيام عن بعض صلاحياته للحرس الثوري، وكأنه توقّع المعركة وما يمكن أن يترتب عنها.
خامسا: ألا يمكن أن نتعامل مع هذه الحالة، على أن القتيل، قبل كل الاعتبارات، هو من أهل القبلة ومن حقه علنا أن نتعاطف معه ومع ذويه، ونقوم بما ينبغي من واجبات مقررة في الأحكام والأعراف والتقاليد الإنسانية العامة؟
سئل الإمام علي رضي الله عنه عن موقفه من الخوارج فقال “ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه”، كما “سئل عن أهل الجمل: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فرّوا، قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن “المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا”.
لا شك أن من تشرَّب أدبَ الإسلام في التعامل مع القضايا، لا يمكن أن يتعامل مع قضايا الحياة بموقف واحد ورأي واحد وتصرُّف واحد، لأن الإسلام بقيمه وضع لنا قواعد سير، منها ما نُحكِّم فيه الجانب التعبدي، ومنها ما يخضع للمعاملات، ومنها ما يكون مجاله المصالح والمفاسد، ومن ثم يمكن للمسلم أن يتعامل بأكثر من أسلوب، فمع المخالف في الدين بالإحسان في دائرة الأرحام، وبضمان الحقوق للمواطن الذي يشترك معه بعضويته في المجتمع الواحد، بل يمكن للمسلم أن يلجأ لجوءً سياسيا أو اجتماعيا عندما يظلمه قومه، فرارا إلى المشترك الإنساني الذي لا يُقَرُّ فيه ظلم ولا اعتداء حفظا على كرامة الإنسان. ومن يتشرّب الإسلام عقيدة وأخلاقا ومعاملة وسلوكا، لا يمكن إلا أن يكون متناغما ومتوافقا مع الواقع مهما كانت بينه وبين هذا الواقع من اختلافات ومضايقات واعتداءات… وأنا متيقن من أن المسلم الذي لم يستطع الارتقاء لأن يكون رجلا، فلا يمكن أن يجعل منه مجرد الانتماء إلى الإسلام رجلا، وذلك لا يعني أن من فقد الرجولة كافرٌ أو يخرج من الملة أو يبشَّر بالخلود في جهنم، وإنما هو كائنٌ ضعيف ذليل غثائي، ألقى بضعفه وذله وغثائيته على غيره ممن ليسوا على مذهبه، وتلك هي مصيبة المصائب التي جعلت من الأمة تتآكل فيما بينها، فأراحت عدوها من التآمر عليها والتأثير فيها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!