لا ينقصنا المال.. ينقصنا الرجال
الآن لم يعد هناك حديثٌ عن كون الأزمة المالية أو الاقتصادية بعيدة عَناَّ.. الآن هناك اعترافٌ أكيد أن الأزمة هي داخل الدار، والخزينة لم يعد بها ما يكفي لتلبية احتياجات المواطن. والآن ثمّة بداية حديث عن حلول، ومن بينها اللجوء إلى ما بقي من احتياطي صرف لدى البنك المركزي، أي إلى تلك الـ100 مليار دولار التي بقيت لنا، لتغطية تلك السندات التي ستُدفع للخزينة لتعويض العجز.
هل هذا هو الحل الوحيد الذي بإمكانه إبعاد شبح اليأس والخوف عَناَّ؟ هل هذا هو حد العبقرية المالية الجزائرية؛ اللجوء إلى ما بقي من احتياطي في انتظار تحسن الأوضاع؟ وأي أوضاع؟ أسعار المحروقات مرة أخرى، لعلنا نتنفس بعض الشيء؟
يبدو لي أن هذا الحل الظرفي وإن كان سيُنجينا خلال سنة أو اكثر أو أقل لا يمكنه أن يكون الحل المطلوب الذي يأخذ بعين الاعتبار المستقبل المتوسط والبعيد. إن مشكلتنا باستمرار هي هذه. التفكير في الحلول العاجلة، في تدبير الأمر بما هو موجود، في كيفية النجاة اليوم وبعدها ليَعمّ الطوفان.
تصرَّفنا بهذا المنطق زمن البحبوحة المالية ونتصرف به الآن. في تلك الفترة وصل صرف المال العام إلى حد التبديد، وساد خطاب واحد: لا ينقصنا المال! قالها مسؤولون كبار بشعبوية حقيقية وكأننا نملك مال قارون. والواقع أننا لم نكن نملك لا مال قارون ولا استراتيجية قارون لتحصيل مزيد من المال. كل ما في الأمر أن الكبار في العالم رفعوا سعر البترول، وتحصّلنا نحن على مداخيل كبيرة، ولكننا لم نُحسن استخدامها.
اليوم وقد حدث ما حدث، وبدل البكاء على الماضي ينبغي أن نقول لمن أراد أن يسمع ويفعل: إن الأمل في هذه البلاد موجود، ولكن ينبغي أن يصنعه رجالها ونساؤها، تصنعه وجوه جديدة بإرادة جديدة، وجوه مستعدَّة لكشف حساباتها للناس، لا وجوه عفا عنها الزمن ولم تمتلك الشجاعة حتى فى تطبيق قانون التصريح بالممتلكات على نفسها وعلى غيرها من المسؤولين.
هناك كفاءات اقتصادية ومالية وبنكية وتجارية وسياسية وفي كافة المستويات، ولكنها لا تريد أن يُفرَض عليها الولاء للأشخاص واللوبيات مهما كانوا، لأن ولاءها الوحيد هو للوطن، للجزائر. هؤلاء هم الرجال والنساء الذين بإمكانهم سياسيا إيجاد الحلول المناسبة للبلاد، وبإمكانهم إقناع الناس بالتقشف أو غيره، أو دعوتهم إلى الصبر والاحتساب إلى حين ساعة الفرج. وهؤلاء لا يمكنهم أن يتمكَّنوا من فتح آفاق واسعة للبلاد إلا إذا حظوا بثقة الشعب عبر اختيار حر ونزيه.. وهو ما نسميه بالحلول السياسية أساس كل الحلول. والحلول السياسية بين أيدينا وبإمكاننا القيام بها إذا قررنا ذلك، وابتداء من اليوم.. وعلينا أن نفعل إذا أردنا الخير للبلاد والعباد، وفي ذات الوقت اختيار أفضل الرجال والنساء لصناعة مستقبلنا ومستقبل أبنائنا.