لعن الله الثقافة..!!
-1-كان عدد من الصيادين، يطاردون ذئباً في أحد الوديان، وحين حوصر الذئب، تمكن من دخول وجر صغير، بقفزة واحدة، مما دفع بأحد الصيادين إلى اللحاق به، والوقوف بكامل طوله أمام ذلك الوجر، وإدخال رأسه فيه بحثاً عن ذلك الذئب الملتجئ، وطالت وقفة ذلك الصياد واختفاء رأسه عن أعين بقية الصيادين، فتعالت نداءاتهم له دون جدوى، وحين اقتربوا منه، وجذبوه إليهم فإذا هو يسقط أمامهم جثة هامدة..!! لكن من دون رأس..!! وفي غمرة هذه المفاجأة الفاجعة، والمشهد الدرامي الخارق لكل التوقعات، وجد الصيادون أنفسهم منقسمين إلى فريقين متعارضين في الرأي: فريق يقول إن ذلك الصياد كان يعتمر قبعة، قبل أن يدخل رأسه في ذلك الوجر.. وفريق ثانٍ ينفي ذلك، ويؤكد أنه كان حاسر الرأس..!!
وكما هي العادة في الحكايات، كان لابد للفريقين من الاحتكام إلى طرف ثالث محايد.. وهكذا.. فقد حمل الصيادون ذلك الجثمان الذي بلا رأس.. وذهبوا به إلى الشاعر الشعبي الأمّي المعمَّر “أبي طالب” وهو الجد الرائع للشاعر والكاتب العذب “رسول حمزاتوف” الذي روى لنا هذه الحكاية في كتابه الممتع “داغستان بلدي” وقصوا عليه حادثة الذئب والرأس المختلف حول ما كان عليه: أكان بقبعة.؟ أم كان حاسراً.؟!!
فمضى “أبو طالب” المحنّك يتأمل جثة ذلك الصياد، وهو يقلب أفكاره أمام هذا اللغز العجيب..!! وما هي إلا برهة حتى لمعت بوارق الإلهام في عينيه، فخاطبهم قائلاً: إن شئتم الحقيقة، فأنا أرى أن رفيقكم الصياد هذا، لم يكن له رأس، من الأساس..!! لأننا لم نر في حياتنا إنساناً يحمل “رأساً” بين كتفيه، ويدسه في مثل هذا الموضع من موارد التهلكة..!! وإنها لفعلة من لا رأس له بكل تأكيد..!! تلك هي “فتوى” شاعر داغستان الأشهر..!!
أما أنا فلن أكون في صف أي خبيث، يحاول أن يحدد لهذه الحكاية معادلاً واقعياً من يومياتنا الفنية، كما فعل أحدهم، حين سمعني أرويها، في جلسة أصدقاء، فعلق بخبث من النوع المنتشر في هذه الأيام: لعلك تتحدث عما جرى في ذلك البرنامج الحواري “الفضيحة” على إحدى القنوات الفضائية، حيث ظلت المذيعة التي تتمتع بلطف الغزال، وصولات الذئب، “تلاعب” فناناً درامياً سورياً كان ظاهر الجهل والغرور، حتى أخرجته من الحلبة دون رأس..؟!!
فرددت عليه متبرئاً: أنت حر فيما ترى.. ولكنّ مشكلة الوسط الفني أن كثرة من العاملين فيه _ هذه الأيام _ بات ينطبق عليهم المثل الشعبي العربي: إنهم “مثل البصل.. كلهم رؤوس”..!!
.
-2-
كانت “السينما” إحدى العجائب في عالمنا العربي..!! وأن تصف أمراً ما، أو شيئاً ما، بأنه “عجيب” _ حسب ثقافتنا الموروثة _ فذلك يعني أنه يمتلك القدرة على تعطيل “العقل”..!! إذ لا تفسير معروفاً لوجوده بيننا، ولا تجربة سابقة مهدت له، ولا أمل بالسيطرة عليه، أو التحكم بمشاعرك الذاتية أمامه، ولا إمكانية للثبات أمام طاقته الهائلة، من الدهشة الجاذبة، إلى الدوران حوله، بفم فاغر، وعينين زائغتين، من الرعب أو المتعة أو كليهما معاً..!!
من هذا التصور “العجيب” _ لكل جديد في حياتنا _ ولدت مجلة فنية في الستينيات خطفت عيون شباب تلك المرحلة وقلوبهم، وكان اسمها “السينما والعجائب” لصاحبها الراحل “حبيب مجاعص”، وقد قابلت هذا الصحفي “العجيب” في واحد من مهرجانات السينما المبكرة في دمشق، وتذكرت عشرات الفضائح التي “فبركها” قلمه، أو نشرتها مجلته لأقلام آخرين، عن حياة كثير من فناني تلك الأيام، وأسرارهم.. وفضائحهم..!!
كما قفزت إلى ذاكرتي عشرات أخرى من الأغلفة “العارية” الملونة المثيرة، بمقاييس المراهقين في تلك المرحلة..!! وكان مدعواً إلى ذلك المهرجان بصفته منتجاً سينمائياً.. وكنتُ أتوقع أن أرى فيه الرجل “الأعجوبة” في المكر والدهاء، وحلاوة الحضور، ولكن.. خاب ظني، ولم أجد من كل ذلك سوى شيخ متهدم يتدحرج نحو الخاتمة بصمت “عجيب”..!!
وأتذكر من مرحلة “السينما والعجائب” تلك أننا استأنا كثيراً حين علمنا أن موظفاً بعينه من موظفي المركز الثقافي، في مدينتنا الصغيرة، يتولى مراقبة أفلام السينما قبل عرضها في الصالات، وأنه كان يأمر باقتطاع بعض المشاهد واللقطات من تلك الأفلام بذريعة أنها “غير ملائمة”..!! ونرى نحن أنها هي المطلوبة لنا دون غيرها، بحكم “المراهقة” وفضولها، والضيق البشري الفطري بكل رقابة..!! وكم كان ذلك الموظف “الجاهل” _ كما كنّا نصفه _ محسوداً لتمتعه برؤية تلك الأجزاء المحذوفة من الأفلام..!! وذات يوم.. تقاربت شفاه البطل والبطلة على الشاشة، في مشروع قبلة “درامية” مترقبة، لكنها لم تكتمل لفظاظة مقص ذلك “الرقيب” ففاجأنا صوت يشق طقس الظلام في صالة السينما، بصرخة احتجاج عفوية ملوعة من أحد المتضررين بوحشية ما جرى:
– لقد قطعوا المشهد.. “قطعوه”.. لعن الله الثقافة..!!
نريد للسينما أن تبقى في حياتنا “إحدى العجائب”.. حتى بعد انتشار التلفاز، واستشراء الفضائيات، وانحسار عدد دور العرض، وانصراف الناس، بل نسيانهم، ذلك الطقس الاجتماعي السينمائي الحميم ، وتلاشي الاهتمام “الرسمي” بها.. حتى غدت المؤسسات العربية الحكومية المعنية بإنتاجها ورعايتها “مفرخة” للقوارض البيروقراطية، و”عنابر” للملل والتثاؤب..!!
وإذا ما سألتني إن كنت في صف المتفائلين أم في صف المتشائمين حول مستقبل السينما العربية، فلن أجد على شفتي ما أرد به سوى ما قرأته لأحد الصحفيين الأذكياء:
– أحس بأنني متفائل جداً فيما يتعلق بمستقبل التشاؤم..!!