-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لغات التدريس في ميزان الجزائر

لغات التدريس في ميزان الجزائر
ح. م

تواصل المؤسسات الجزائرية استبدال اللغة الفرنسية بالإنكليزية في بعض معاملاتها الرسمية والإدارية، سواء في الوثائق أو في التواصل الداخلي والخارجي. وكلما شهد هذا التحوّل خطوة جديدة، زاد شعور الكثير من الفرنسيين بأن الجزائر توجّه لهم ضربات موجعة تستهدف لغتهم وثقافتهم التي ظلت متغلغلة في نسيج الحياة الجزائرية لعقود طويلة. ألم يقل وزير الداخلية الفرنسي الحالي قبل بضعة شهور في تبرير مواقفه المعروفة بأن “الجزائر تنتهج سياسة عدائية تجاه الثقافة الفرنسية”! يا له من فكر استعماري بغيض!

علَى نَفسها جَنَت بَراقِش

ويزداد هذا الإحساس بالإحباط والتذمّر لدى هؤلاء الغُلاة الفرنسيين عندما يتبيّن لهم أن اللغة الثانية الأكثر انتشارًا في فرنسا بعد اللغة الفرنسية نفسها هي اللغة العربية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من التنوع الثقافي واللغوي داخل المجتمع الفرنسي. وفي هذا السياق، وتخفيفا لوقع هذه الظاهرة على النفوس المريضة، من الطبيعي أن يذكّرنا هؤلاء الفرنسيون بأن اللغة العربية المنتشرة في فرنسا هي اللغة العربية الدارجة وليست العربية الفصحى التي تُستخدم في التعليم والإعلام الرسمي. وهذا أمر، في الواقع، لا يحتاج إلى بيان إذ يعكس حقيقة أن العربية الفصحى ليست لغة المحادثة اليومية في الشارع العريى الذي لا يلجأ إليها غالبا إلا عند الضرورة.

فمن المعلوم أن المتحدث العربي، إذا ما لاحظ، خارج بلاده، أن مخاطبه العربي يجد صعوبة في استيعاب ما يقول فإنه يميل إلى تبسيط كلامه ويقوم بتقريب لهجته من الفصحى ليكون كلامه مفهوما، سيما ونحن نعيش عهدا في البلاد العربية تراجعت فيه الأمية بشكل كبير، وعمّ فيه تدريس الفصحى في التعليم وانتشرت فيه لغة الاعلام.

كيف وصلت اللغة العربية إلى هذا المستوى من الانتشار ف فرنسا؟ إن هذا الانتشار الواسع للغة العربية في فرنسا لم يكن ليحدث لو لم تكن فرنسا من الدول التي استعمرت بلدانا عربية عديدة لفترات طويلة. فقهر واستبداد السكان الأصليين في هذه البلدان من قبل الاستعمار أدى عبر العقود، منذ القرن التاسع عشر، إلى موجات هجرة متوالية لهؤلاء المستضعفين نحو بلدان كثيرة، ولا سيما نحو عقر دار المستعمر.

وكانت تلك الهجرات تفرضها الظروف الصعبة للسكان في ديارهم المغتصبة فغادروها قصرًا بحثا عن لقمة عيش وعما يشبه الحياة الكريمة. واستمرت هذه الحركة البشرية نحو الشمال حتى بعد استقلال تلك البلدان لأنّ الحُكّام الجدد لم يتمكنوا من توفير فرص العمل الكافية للمواطنين. وأسباب ذلك عديدة، لكن السبب الرئيسي هو حالة الدمار الاقتصادي والاجتماعي الكبير الذي خلّفه المستعمِر بعد رحيله، وظهور ما يُعرف بالاستعمار الجديد الذي كان يواصل هيمنته على مقدرات تلك الشعوب بكل الوسائل الخبيثة، وهو ما حال دون توفير مستلزمات الحياة العصرية بالسرعة المطلوبة للمواطنين.
وقد أدى كل ذلك إلى ظهور روابط تاريخية عميقة بين فرنسا والعالم العربي… ساهمت بشكل رئيسي في انتشار اللغة العربية وتوسعها في النسيج اللغوي الفرنسي حيث تحولت من لغة تواصل بين هؤلاء المهاجرين إلى لغة مؤثرة في الحياة اليومية والثقافية في مرافق فرنسا الحديثة وشارعها.

يعكس هذا الواقع تعددية ثقافية ولغوية تتطلب من المستعمر القديم تبني سياسات استقبال واندماج حساسة توازِن بين احترام الهوية الأصلية وضرورة الانخراط في المجتمع الفرنسي. وهذا الأمر لا يعني الجالية العربية وحدها بل يعني أيضا الوافدين من كل المستعمرات القديمة لفرنسا… وهو عبء ثقيل جدا. وهكذا، فالمستعمر القديم يدفع الآن شرّ أعماله.

تكامل لغوي لبناء دولة متقدمة

إنّ التوجّه نحو استعمال اللغة الإنكليزية في الجزائر، باعتبارها لغة التواصل عبر العالم، وكذا لغة المراجع العلمية الحديثة، أمرٌ ضروري ولا يمكن إنكاره، خصوصا في عصر العولمة والانفتاح والابتكارات التكنولوجية التي تعتمد بشكل كبير على البحوث الصادرة باللغة الإنكليزية. ومع ذلك، لا يجب أن يتحوّل هذا الاهتمام إلى إهمال أو تهميش للغة العربية التي تمثل ركيزة أساسية للهوية الوطنية والثقافية والروحية للشعب الجزائري. فاللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل بل هي تعبير يوميّ عن تاريخ وحضارة وعقيدة وتراث يمتدّ لقرون. ومن ثمّ، فإنها تستحق أن تُمنح المكانة اللائقة بها في جميع مراحل التعليم، بدءًا من التعليم الابتدائي وانتهاءً بالتعليم الجامعي.

إنّ التراجع عن استخدام اللغة الفرنسية ليس هدفًا في حدّ ذاته بقدر ما كان استجابة طبيعية للتوازن اللغوي ولضرورة استعادة اللغة العربية مكانتها كلغة وطنية تجمع الشعب الجزائري على قيمه وعقيدته وتاريخه. يقتضي هذا السعي لتعزيز مكانة اللغة العربية تجنب الاستقطاب الحاد الذي يجعل من الفرنسية أو الإنكليزية خصما للغة الضاد. فكل هذه اللغات يمكن أن تتعايش في نظام تعليمي متكامل ومتوازن، يستفيد من مميزات كل لغة ويتيح للتلاميذ والطلبة التمكن من أدوات المعرفة العالمية مع الحفاظ على هوية وطنية صلبة ومتينة.

إنّ إعطاء اللغة العربية حقها الكامل في التعليم الجامعي يمثّل خطوة استراتيجية في بناء مجتمع معرفي متوازن، قادر على المساهمة بفعالية في التنمية الوطنية. ذلك أنه لا يُعقل أن يزاول التلميذ الجزائري كل مراحل تعليمه ما قبل الجامعي بلغة معينة، ثم يرتدي ثوبا لغويًا آخر عشية انتقاله إلى الجامعة. وكما يكرّر المربون كلما طُلب منهم رأيهم، فإن التعليم باللغة الأم يعزز الاستيعاب العميق ويسهل اكتساب العلوم، فضلا عن ترسيخ الانتماء والاعتزاز بالذات. لذلك، من الضروري أن ترافق السياسات التعليمية في الجزائر رؤية شاملة تراعي أهمية اللغة العربية كلغة وطنية رسمية ووسيلة تعليمية تواكب كل مراحل التعليم، دون أن تغفل عن ضرورة تطوير مهارات التلاميذ والطلبة في اللغتين الإنكليزية والفرنسية.

إن مستقبل الجزائر العلمي والثقافي لا يمكن أن يُبنى على أساس إقصاء أو تهميش أي لغة من اللغات المهمة بل يُبنى على أساس مبدأ أن “يعطى كل ذي حقّ حقّه”:

1) المحافظة على اللغة العربية كلغة أساسية للحضارة والهويّة وتمكينها في كل قطاعات الحياة، سيما الآن في التعليم الجامعي؛

2) اعتبار اللغة الإنكليزية لغة المراجع العلمية والتواصل المتعدد الأشكال عبر العالم،

3) اعتبار اللغة الفرنسية لغة تواصل تاريخي وثقافي واجتماعي، سيما فيما يربطنا بالمستعمِر القديم قبل وبعد الاستقلال.

نعتقد أن هذا النهج يمثل المسار الأمثل لبناء بلد مزدهر علميًا وثقافيًا، يحترم تنوّعه اللغوي ويستثمر فيه، فيضمن مكانة رائدة في عالم اليوم دون التفريط في هويته الوطنية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!