الرأي

لغة البابونج‮ ‬

سهيل الخالدي
  • 9638
  • 5

معروف أن الجزائر وهبها الله أكبر مساحة نبات طبي‮ ‬في‮ ‬العالم،‮ ‬وهي‮ ‬ثروة لو استغلت جيدا لجعلت من الجزائر الرائدة في‮ ‬تخليص البشر من الأدوية الكيماوية التي‮ ‬فرضتها وتفرضها شركات احتكار الأدوية العالمية متضافرة سرا وعلنا مع شركات الأغذية في‮ ‬دول المتروبول التي‮ ‬أضرت بصحة دول الجنوب،‮ ‬وبتنا نسمع بأمراض وبائية تقوم بإبادة الجنس البشري،‮ ‬ويبدو أن هذه الأوبئة أخذت تستعصي‮ ‬على صانعيها من شركات الغذاء والأدوية‮.. ‬حتى تبدو العودة إلى الغذاء الطبيعي‮ ‬والأدوية العشبية ضرورية لحماية البشر‮.‬

ومن هذه الأعشاب الطبية التي‮ ‬منحها الله للجزائر والبلدان العربية عموماً‮ “‬البابونج‮”‬،‮ ‬وهي‮ ‬تسمية فارسية لهذه النبتة الجميلة التي‮ ‬يسميها العرب‮ “‬الأقحوان‮” ‬تغلى في‮ ‬الماء ويشرب هذا المغلي‮ ‬الذي‮ ‬له فوائد كثيرة جدا وأكثر فوائده هي‮ ‬في‮ ‬مداواة مرض المفاصل وغيره من أمراض الشيخوخة‮… ‬لذلك‮ ‬يكثر كبار السن في‮ ‬الوطن العربي‮ ‬من جلسات شرب البابونج‮.‬

‭ ‬وتعود كلمة البابونج للاستعمال من جديد هذه السّنوات في‮ ‬العراق مع انتشار اللغة الفارسية،‮ ‬والتي‮ ‬تكاد تصبح كالفرنسية في‮ ‬الجزائر لغة رسمية‮ ‬غير دستورية‮.. ‬فالذين خططوا منذ القرن الثامن عشر لإبادة الجنس العربي‮ ‬استعملوا سلاح اللغة كأحد أهم الأسلحة لإبادة العرب والمسلمين،‮ ‬وتفطن الشيخ طاهر الجزائري‮ ‬لهذه اللعبة فأسس مع تلميذه محمد كرد علي‮ ‬المجمع العلمي‮ ‬في‮ ‬دمشق عام‮ ‬1920‮ ‬للحفاظ على اللغة العربية وتطويرها وعصرنتها،‮ ‬وتلاه في‮ ‬التأسيس مجمع القاهرة في‮ ‬ثلاثينيات القرن العشرين وتواصل تأسيس هذه المجمعات أو المجامع في‮ ‬البلدان العربية وصولا إلى الجزائر،‮ ‬لكن العربية لم تتطور مع كثرة هذه المجمعات التي‮ ‬أقامت لها اتحادا لا‮ ‬يسمع به ولا بها أي‮ ‬مواطن عربي،‮ ‬فكل أعضاء هذه المجمعات من العواجيز الذين‮ ‬يمشون على العكاكيز وضعف فيهم السمع والبصر وتلاشت البصيرة فيقضون جلساتهم في‮ ‬تناول شاي‮ ‬البابونج الذي‮ ‬ذكرنا؛ فهم لم‮ ‬يحسّوا بحركة المجتمع العربي‮ ‬وراحوا‮ ‬يحاربون طواحين الهواء ويختلقون أعداء وهميين للغة العربية،‮ ‬فشنوا حروبا‮  ‬على اللهجات العربية القديمة والحديثة،‮ ‬وهم‮ ‬يعلمون أن العربية المبينة تكونت من اللغات العروبية القديمة التي‮ ‬صرنا نسميها لهجات مثل الآرامية شرقيها وغربيها والبربرية بأنواعها والكلدانية بتفرعاتها،‮ ‬والقبطية‮ ‬‭ ‬بمراحلها،‮ ‬ومع ذلك خلق هؤلاء العواجيز بحروبهم على تلك اللغات اللهجات عداوة للعربية وأهلها ودينها،‮ ‬كما جعلوا من الصحفيين العرب أعداء للعربية،‮ ‬باتهامهم بإفساد اللغة ونشر العامية،‮ ‬وخلقوا من الإداريين أعداء للعربية‮  ‬بتأخرهم عن فهم الألفاظ الجديدة التي‮ ‬يولدها الشارع نتيجة احتكاكه عبر حركة استيراد السلع بلغات شتى‮. ‬

حتى في‮ ‬العمل الأكاديمي‮ ‬المحض،‮ ‬لم‮ ‬ينجز هؤلاء الذين‮ ‬يتغرغرون شاي‮ ‬البابونج المعجم التاريخي‮ ‬الذي‮ ‬بدأه المستشرق الألماني‮ ‬غيتشر بعد الحرب العالمية الأولى‮  ‬وكانت حجتهم عدم وجود المال اللازم،‮ ‬ومنذ أعوام تكفل أمير الشارقة بهذا المال وهاهم‮ ‬يستفون أمواله ويشربونها مع البابونج دون أن نسمع أنهم أصدروا جزءا أو بعض جزء من هذا المعجم وحتى المجلات التي‮ ‬يصدرونها لا‮ ‬يراها أحد خارج مقرات مجمعاتهم فهم‮ ‬يحدثون بعضهم بعضا ولا علاقة لهم بهذا الشارع الذي‮ ‬يطوّر لغته العربية بعيدا عنهم

وعن تقعرهم اللغوي‮ ‬واستعلائهم السخيف وادعائهم بأنهم الخالدون حتى أطلقت عليهم وعلى مجمعاتهم إحدى المثقفات تسمية‮ “‬مجمع الخائبين‮” ‬وهم خائبون فعلا‮.. ‬فهاهي‮ ‬الفارسية بعد الإنجليزية والفرنسية تسيطر على‮  ‬ألسنة الحكام العرب،‮ ‬وهنا مربط الفرس‮.. ‬كيف؟

‭ ‬الحكام العرب‮ ‬‭-‬‮ ‬إن صح أنهم حكام‮- ‬في‮ ‬حقيقة الأمر هم ألد أعداء العربية ولا‮ ‬يكاد أحد منهم أن‮ ‬يقرأ بضعة أسطر دون لحن ودون أن‮ ‬يجرّ‮ ‬الفاعل وينصب المجزوم؛ هؤلاء الحكام هم الذين‮ ‬يعينون أولئك العواجيز حراسا على لغة‮ ‬يريدون هم قتلها‮.. ‬ولا‮ ‬يتململ هؤلاء العواجيز أو‮ ‬يغادرون جلسات البابونج فلا‮ ‬يوقفون أخطاء الحكام اللغوية ولا تلك الواردة‮  ‬في‮ ‬المراسلات الإدارية ولا‮ ‬يتحركون في‮ ‬تنفيذ المشروعات اللغوية التي‮ ‬ألزموا أنفسهم بها أكثر من حركة السلحفاة‮  ‬فلا‮ ‬يعرفها أحد ولا‮ ‬يسمع بها الشارع العربي‮ ‬الصانع النشط للغة‮.‬

‭ ‬وفي‮ ‬هذا الباب اسأل قراء هذه الجريدة وهم‮ ‬يمتدون على جهات الجزائر الأربع‮: ‬هل تعرفون ما هو مشروع الذخيرة‮  ‬العربية،‮ ‬ومن هو المسؤول عنه؟

‭ ‬أنا أقول لكم‮: ‬هو مشروع لغوي‮ ‬له طبيعة عصرية مسؤول عنه مجمع اللغة العربية الجزائري‮.‬

‭ ‬ربما سأل أحدكم الآن‮: ‬وهل هناك مجمع للغة العربية،‮ ‬فإن أحدا لا‮ ‬يسمع بنشاطه ولا بأحد من رجاله،‮ ‬رغم أهمية الوضع اللغوي‮ ‬في‮ ‬الجزائر؟

‭ ‬معكم كلّ‮ ‬الحق،‮ ‬فإن رائحة البابونج المنبعثة من الأبيار قتلت حتى رائحة الياسمين في‮ ‬البهجة فضلا عن الأقحوان‮.‬

 

* ‬الحكام العرب،‮ ‬إن صح أنهم حكام،‮ ‬في‮ ‬حقيقة الأمر هم ألد أعداء العربية ولا‮ ‬يكاد أحد منهم أن‮ ‬يقرأ بضعة أسطر دون لحن ودون أن‮ ‬يجرّ‮ ‬الفاعل وينصب المجزوم؛ هؤلاء الحكام هم الذين‮ ‬يعينون أولئك العواجيز حراسا على لغة‮ ‬يريدون هم قتلها‮.. ‬

مقالات ذات صلة