لغة البابونج
معروف أن الجزائر وهبها الله أكبر مساحة نبات طبي في العالم، وهي ثروة لو استغلت جيدا لجعلت من الجزائر الرائدة في تخليص البشر من الأدوية الكيماوية التي فرضتها وتفرضها شركات احتكار الأدوية العالمية متضافرة سرا وعلنا مع شركات الأغذية في دول المتروبول التي أضرت بصحة دول الجنوب، وبتنا نسمع بأمراض وبائية تقوم بإبادة الجنس البشري، ويبدو أن هذه الأوبئة أخذت تستعصي على صانعيها من شركات الغذاء والأدوية.. حتى تبدو العودة إلى الغذاء الطبيعي والأدوية العشبية ضرورية لحماية البشر.
ومن هذه الأعشاب الطبية التي منحها الله للجزائر والبلدان العربية عموماً “البابونج”، وهي تسمية فارسية لهذه النبتة الجميلة التي يسميها العرب “الأقحوان” تغلى في الماء ويشرب هذا المغلي الذي له فوائد كثيرة جدا وأكثر فوائده هي في مداواة مرض المفاصل وغيره من أمراض الشيخوخة… لذلك يكثر كبار السن في الوطن العربي من جلسات شرب البابونج.
وتعود كلمة البابونج للاستعمال من جديد هذه السّنوات في العراق مع انتشار اللغة الفارسية، والتي تكاد تصبح كالفرنسية في الجزائر لغة رسمية غير دستورية.. فالذين خططوا منذ القرن الثامن عشر لإبادة الجنس العربي استعملوا سلاح اللغة كأحد أهم الأسلحة لإبادة العرب والمسلمين، وتفطن الشيخ طاهر الجزائري لهذه اللعبة فأسس مع تلميذه محمد كرد علي المجمع العلمي في دمشق عام 1920 للحفاظ على اللغة العربية وتطويرها وعصرنتها، وتلاه في التأسيس مجمع القاهرة في ثلاثينيات القرن العشرين وتواصل تأسيس هذه المجمعات أو المجامع في البلدان العربية وصولا إلى الجزائر، لكن العربية لم تتطور مع كثرة هذه المجمعات التي أقامت لها اتحادا لا يسمع به ولا بها أي مواطن عربي، فكل أعضاء هذه المجمعات من العواجيز الذين يمشون على العكاكيز وضعف فيهم السمع والبصر وتلاشت البصيرة فيقضون جلساتهم في تناول شاي البابونج الذي ذكرنا؛ فهم لم يحسّوا بحركة المجتمع العربي وراحوا يحاربون طواحين الهواء ويختلقون أعداء وهميين للغة العربية، فشنوا حروبا على اللهجات العربية القديمة والحديثة، وهم يعلمون أن العربية المبينة تكونت من اللغات العروبية القديمة التي صرنا نسميها لهجات مثل الآرامية شرقيها وغربيها والبربرية بأنواعها والكلدانية بتفرعاتها، والقبطية بمراحلها، ومع ذلك خلق هؤلاء العواجيز بحروبهم على تلك اللغات اللهجات عداوة للعربية وأهلها ودينها، كما جعلوا من الصحفيين العرب أعداء للعربية، باتهامهم بإفساد اللغة ونشر العامية، وخلقوا من الإداريين أعداء للعربية بتأخرهم عن فهم الألفاظ الجديدة التي يولدها الشارع نتيجة احتكاكه عبر حركة استيراد السلع بلغات شتى.
حتى في العمل الأكاديمي المحض، لم ينجز هؤلاء الذين يتغرغرون شاي البابونج المعجم التاريخي الذي بدأه المستشرق الألماني غيتشر بعد الحرب العالمية الأولى وكانت حجتهم عدم وجود المال اللازم، ومنذ أعوام تكفل أمير الشارقة بهذا المال وهاهم يستفون أمواله ويشربونها مع البابونج دون أن نسمع أنهم أصدروا جزءا أو بعض جزء من هذا المعجم وحتى المجلات التي يصدرونها لا يراها أحد خارج مقرات مجمعاتهم فهم يحدثون بعضهم بعضا ولا علاقة لهم بهذا الشارع الذي يطوّر لغته العربية بعيدا عنهم
وعن تقعرهم اللغوي واستعلائهم السخيف وادعائهم بأنهم الخالدون حتى أطلقت عليهم وعلى مجمعاتهم إحدى المثقفات تسمية “مجمع الخائبين” وهم خائبون فعلا.. فهاهي الفارسية بعد الإنجليزية والفرنسية تسيطر على ألسنة الحكام العرب، وهنا مربط الفرس.. كيف؟
الحكام العرب - إن صح أنهم حكام- في حقيقة الأمر هم ألد أعداء العربية ولا يكاد أحد منهم أن يقرأ بضعة أسطر دون لحن ودون أن يجرّ الفاعل وينصب المجزوم؛ هؤلاء الحكام هم الذين يعينون أولئك العواجيز حراسا على لغة يريدون هم قتلها.. ولا يتململ هؤلاء العواجيز أو يغادرون جلسات البابونج فلا يوقفون أخطاء الحكام اللغوية ولا تلك الواردة في المراسلات الإدارية ولا يتحركون في تنفيذ المشروعات اللغوية التي ألزموا أنفسهم بها أكثر من حركة السلحفاة فلا يعرفها أحد ولا يسمع بها الشارع العربي الصانع النشط للغة.
وفي هذا الباب اسأل قراء هذه الجريدة وهم يمتدون على جهات الجزائر الأربع: هل تعرفون ما هو مشروع الذخيرة العربية، ومن هو المسؤول عنه؟
أنا أقول لكم: هو مشروع لغوي له طبيعة عصرية مسؤول عنه مجمع اللغة العربية الجزائري.
ربما سأل أحدكم الآن: وهل هناك مجمع للغة العربية، فإن أحدا لا يسمع بنشاطه ولا بأحد من رجاله، رغم أهمية الوضع اللغوي في الجزائر؟
معكم كلّ الحق، فإن رائحة البابونج المنبعثة من الأبيار قتلت حتى رائحة الياسمين في البهجة فضلا عن الأقحوان.
* الحكام العرب، إن صح أنهم حكام، في حقيقة الأمر هم ألد أعداء العربية ولا يكاد أحد منهم أن يقرأ بضعة أسطر دون لحن ودون أن يجرّ الفاعل وينصب المجزوم؛ هؤلاء الحكام هم الذين يعينون أولئك العواجيز حراسا على لغة يريدون هم قتلها..