للصوص أيضا عرق الجبين؟
المحاكمة المثيرة لعاشور عبد الرحمان، المتهم باختلاس قرابة الربع مليار دولار، أو ألفين ومئة مليار بالعملة الوطنية، كان من المفروض أن يحضرها اجتماعيون ونفسانيون وساسة واقتصاديون، لأن المشهد لا يمكن اختصاره في بطل واحد فالسيناريو شارك في صناعته شعب كامل من المجرمين، لأن سرقة مليار قد يعني غفلة المسؤولين، وإن تضاعف المبلغ إلى آلاف الملايير فمعنى ذلك أن الغفلة قد تحوّلت إلى موت أو تمثيل الموت، وتلك هي الجريمة الأفضع، وإلا كيف نفسّر متابعة البنوك الوطنية لشباب لم يتمكنوا من تسديد ديون بسيطة في الوقت الذي كانت فيه رهن إشارة عاشور عبد الرحمان، عندما كان يقول لها كوني.. فتكون، وتمنحه القروض في غدوّه ورواحه وربما دون أن يطلب منها فعل ذلك.
لسرقة هي جريمة حُكمها الشرعي هو قطع اليد التي اقترفتها، وحكمها الوضعي هو حبس الفاعل وتوقيفه عن ممارسة نشاطه، لكن الخيانة هي أبشع أنواع الجرائم لأن علاجها مستحيل وأصحابها مجهولون، والذين صنعوا من عاشور عبد الرحمان رجل أعمال ونفخوه ثقة بالنفس، وصنعوا من عبد المؤمن خليفة، رجل أعمال ونفخوه ثقة بالنفس، وأقنعوهما بأن آلاف الملايير التي نهباها إنما هي عرق الجبين، مازالوا بعيدين عن العدالة وقد يتورّطون في السنوات القادمة في تقديم نماذج أخرى لرجال أعمال من ورق تُفتح لهم الإدارات والبنوك وحتى مجالات الفضاء كما حدث مع عاشور وخليفة وغيرهما.
في الأسبوع الماضي وقعت حادثة سرقة في منزل بمدينة قسنطينة، فتفوه صاحب المنزل بالطلاق بالثلاث على زوجته لأنها لم تعد إلى البيت بسرعة بعد خروجها من العمل، وحمّلها جزءا كبيرا من السرقة، وللأسف يتم تحويل ألفين ومئة مليار وهو مبلغ لا نعلم كيف تمكن خبير المحاسبة عدّه لضخامته، دون أن نسمع بمحاسبة الغافلين أورميهم بالطلاق أو على الأقل يخجلون من أنفسهم ويستقيلون. في الولايات المتحدة يعترف البوليس الأمريكي، أنه إذا تمكن من كشف أو حجز دولار مختلس واحد فإن ما خفي من سرقات لا يقل عن مليون دولار، وإذا طبّقنا النظرية البوليسية الأمريكية على الجزائر، فإن رقم ألفي مليار سيُضرب في المليون وحينها سنقتنع أن فينا بدل قارون” شعب من “القارونات” من الذين بغوا على الناس بكنوزهم التي ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، وكان ردهم دائما وبكل ثقة “.. إنما أوتيته على علم عندي”.
المصيبة ليست في رقم ألفي مليار، ولا في مصطلح “الشكارة” أو “التشيبة” الذي صار يذكره الجزائريون في عالم السياسة والرياضة والتجارة والسكن والعمل وحتى في جوازات السفر الخاصة بالحجيج. وإنما في الانهيار المريع للأخلاق والجرأة اللاّ محدودة على ارتكاب جرائم لا تخطر على البال، ولا أحد يفهم لماذا لم يكتف عاشور بتحويل مئة مليار، وهو لو أشعل النار في مبلغ ألفي مليار لاحترقت أنفاسه وما احترق نصف المبلغ، أما قمة الانهيار فهي الجرأة على مواجهة التهم الثقيلة بالقول أن ألفي مليار هي نتاج عرق الجبين والجرأة على البقاء في المنصب وقد خرّبت مالطا واندثرت من الوجود .. وقديما قيل إذا لم تستح فاصنع ما شئت.