الرأي

لماذا تبكي البقرة الضاحكة اليوم في أوربا؟

بقلم: محمد ذياب
  • 2088
  • 1

يبدو أن الإنسان هو الكائن الوحيد على وجه الأرض الذي باستطاعته أن يحوِّل أي أزمة إلى سلطة يخلق بها أزمات أخرى لا تقلّ تأزما عن الأولى. ولعل أزمة المناخ والاحتباس الحراري التي بدأ الحديث عنها منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي -وهي أزمة حقيقية تتفاقم آثارها يوما بعد يوم- أصبحت رأس حربة قوية لتيارات نافذة في السياسة الدولية لتفرض سياسات وقرارات غريبة وصادمة تحت مسمَّى مكافحة الاحتباس الحراري والتغير المناخي، كالتي سمعنا عنها في وسائل الإعلام الغربية قبل أيام من الشروع في تقليص تربية الأبقار وحيوانات المزرعة في هولندا بقرار حكومي امتثالا لقرار آخر أوربي، وسينجرّ عن ذلك غلق 3000 مزرعة لتربية الأبقار وحيوانات المزرعة، والحجة التي برزت إلى السطح كتبرير لهذا القرار هي مساهمة تربية الأبقار وحيوانات المزرعة في انبعاث غاز النيتروجين وغازات أخرى إلى الغلاف الجوي، وقد شاهدنا عبر مختلف الوسائط الإعلامية الصدام بين مربي البقر وجرّاراتهم وقوات الأمن ومدرّعاتهم  في شوارع أمستردام.

لن أناقش في هذا المقال الحدث في حد ذاته، ولكن أريد التحدث عن جذوره العميقة والدوافع التي أفرزته حتى نجد تفسيرا مقنعا لهذا الحدث الغريب وحوداث أخرى سبقته أو ستليه، وللكشف عن الخيط الناظم بين مختلف الأحداث التي تبدو للوهلة الأولى أن لا شيء ينظّمها أو يجمع بينها.

في البداية لابد أن نعي جيدا طبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها العالم على الأقل منذ منتصف القرن العشرين، لأن هذه الفترة كما يبيِّن مؤرخو الأفكار هي الفترة التي انتصرت فيها الرؤية الوجودية العدمية على الرؤية العقلانية التنويرية في الغرب، أو بعبارة أخرى هي بداية انتصار منطق الغموض والعبثية النيتشوي على منطق الوضوح والتبسيط الهندسي الديكارتي، وإن كان المنطقان لا يختلفان في كونهما تعبيرا عن العلمانية المادية، والفرق بينهما هو أن العلمانية الديكارتية متفائلة بالتحديث مبشِّرة بالتقدم المادي الذي كان في بدايته زمن ديكارت، أما علمانية نيتشه فهي علمانية متشائمة لأنها رأت التحديثَ وهو يسدل الستار على حضارة الغرب وقد بدأت في التآكل والاضمحلال.

ويعتبر كثير من الدارسين أن ثورة 1968 في فرنسا هي الثورة الناسخة لثورة 1789؛ فإذا كانت ثورة 1789 قد أعلنت عن ميلاد الحداثة والتنوير ووفاة مجتمع المسيحية والاقطاع، فإن ثورة 1968 قد أعلنت عن وفاة التنوير ومجتمع الحداثة وميلاد مجتمع التفكيك والعدمية أو مجتمع ما بعد الحداثة، ولا يختلف الأمر في أمريكا عنه في أوربا، فهناك تزامنٌ في بروز اليسار الجديد والفلسفات الوجودية العدمية في الولايات المتحدة بقوة مع ظهورها في أوربا، والبعض يؤرخ لذلك بظهور كتاب “ضد التفسير” لسوزان سونتاغ سنة 1966، أي أنه إذا اعتبرنا أن ريتشارد رورتي في أمريكا هو المقابل لجون بول سارتر في فرنسا، فإن سيمون دي بوفوار في فرنسا هي المقابل لسوزان سونتاغ في الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن ماذا يعني هذا كله؟

يرى إيريك فوجلن، وهو فيلسوفٌ ومؤرخ ألماني هاجر إلى أمريكا، أن أصدق وصفٍ يمكن أن توصف به الحداثة الغربية بعد الحربين العالميتين هي أنها حداثة “غنوصية”، والغنوص كلمة يونانية تعني المعرفة ويقابلها في اللغة العربية مصطلح “العرفان” والذي يعني العلم بأسرار الحقائق الدينية وبكل ما هو غامض وخفيٌّ بطريقة ذاتية بعيدا عن اللغة السائدة. والغنوص هو ثالث ثلاثة من مكونات الوعي الغربي الأوربي منذ عصر التحديث جنبا إلى جنب مع التنوير والإيمان المسيحي.

لكن يبدو أنَّ الغنوص مثل السرطان يخفت إذا قويت مناعة الجسم ويغزو ويدمِّر إذا تداعت مناعته. وقد ابتلع التفسير الغنوصي اليهودية والنصرانية وهو الآن يبتلع تراث التنوير الغربي ويحاول ابتلاع الاسلام كذلك، ويعدّ الفيلسوفُ الألماني هيغل هو البحيرة التي نبعت منها معظم المذاهب الوجودية والعدمية في الفلسفة الغربية الحديثة، أي أن هيغل هو الأب الروحي للغنوص الغربي الحديث في شكله الفلسفي والأكاديمي، ولذلك لا نستغرب ما يصف به الدارسون هيغل بأنه كان يكره المسلمين ممثّلين في الأتراك العثمانيين مثلما يكره التنوير ممثلا في نابليون بونابرت والفرنسيين، لأن كلًّا من الإسلام والتنوير يدّعيان -حسب هيغل- إنه يمكن الاقتراب من الحقيقة في التاريخ وأن الخلاص هو عملية نمارسها في الحياة اليومية، في حين أن الفكر الغنوصي الباطني لا يرى خلاصا للإنسان إلا إذا ابتلع إلهُ النور إلهَ الظلمة ومن ثم يختفي الشر تماما من على وجه الأرض، أي ينتهي التاريخ حسب تعبير هيغل أو تحدث التسوية حسب تعبير ما بعد الحداثة، والتسوية لا تعني المساواة بطبيعة الحال بل تسوية الإنسان بالطبيعة ومحو كل الثنائيات، فلا خير ولا شرّ ولا ذات ولا موضوع ولا ذكر ولا أنثى، بل هناك حلولٌ تام للّاهوت في الناسوت وللذات في الموضوع وللذكر في الأنثى.

والانعكاس الواقعي لهذه الغنوصية تفسِّره التغيُّرات الجذرية السريعة لما حولنا، فحلول اللاهوت في الناسوت نشاهده في تقلص مساحة الإيمان الغيبي في العالم وحلول الإيمان الكموني المادي الذي لا يرى تفسيرا للمادة يتجاوز المادة نفسها بل يرى أن الكون المادي يحوي داخله ما يكفي لتفسيره دون الحاجة إلى افتراض وجود الله، أما محو ثنائية الخير والشر فهي تبرز من خلال شيوع النسبية الأخلاقية وتعدُّد القيم أو غياب المركز وتفلّت الخطاب حسب تعبير جاك دريدا، ومن هنا تختفي فكرة الحقيقة الموضوعية التي كان يسعى إليها التنوير، ويختفي الإيمان باللغة كوسيلة للتواصل بين البشر، كما تختفي ثنائية الحق والباطل التي بُنيت عليها عقيدة التوحيد الإسلامي، وبتغييب ثنائية الذات والموضوع في الوعي الغربي فُتح المجال لفكرة التعددية المنهجية في علوم الطبيعة في حد ذاتها، ففي الغرب وبعد أن كان للعلم الطبيعي همٌّ واحد هو الوصول إلى الموضوعية، تخلى العلم تماما الآن عن هذا الحلم، وأصبح يدعو إلى التعددية المنهجية، تحت الشعار الذي أطلقه بول فيرابند “لندَع مائة زهرة تتفتَّح”، إذ يعتبر كتابه “ضد المنهج” نهاية التقليد الوضعي التنويري في البحث وبداية التقليد الفوضوي والأناركية المعرفية، ويتجلّى ذوبانُ ثنائية الذكر والأنثى في ظهور الفلسفات النسوية والتوجُّهات الجندرية التي تحارب الإنسانية المشتركة بين الرجل والمرأة وتريد حسم تاريخ الخَلق والقصة الكونية التي ترويها الأديان الكتابية ويرويها القرآن الكريم حين يقول: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”، لتصبح الرواية الجديدة هي الفصل التام لعالم الرجال عن عالم النساء فيصبح الرجال من المريخ والنساء من الزهرة، أو الصهر التام لهما في صورة خنثوية جندرية فيصبح هناك اكتفاءٌ ذاتي لكل جنس بنفسه كما يرى رولان بارت –وهو أحد كتاب ما بعد الحداثة الغنوصية- أن الإنسان الذي يتجاوز ثنائية الذكر/ الأنثى بأن يوحِّد بينهما في ذاته فيصبح “الإنسان الخنثى” سيجمع في عقله ميزاتِ الذكورة والأنوثة معا وسيكون أقرب ما يكون من الإنسان الكامل الذي سيحقق حلم الفلسفة الغربية بحل ثنائية الذكر/ الأنثى أو المرأة/ الرجل، ولعل مثل هذه التصريحات من رواد ما بعد الحداثة ستكون هي المفتاح لفهم سبب رواج العمليات الجراحية والعلاجات الطبّية التي يتم من خلالها تغيير الجنس أو الترانس جندر كما يسمّونها في الغرب، وهي عمليات رائجة بكثرة في جمهورية إيران كذلك بعد فتوى الخميني بجوازها، وهو أمرٌ قد يستغربه كثيرٌ من المسلمين السنة، لكن الدارس المتعمِّق في تاريخ الأفكار لا يستغرب شيئا من ذلك حين يطّلع على الحبل السري المتين الذي يربط بين الأفكار الباطنية الغنوصية العميقة في المذاهب الشيعية وبين غنوصية اليسار الجديد والوجودية العدمية في الغرب، ولهذا كان نيتشه صريحا حين كشف عن جذور عدميته في كتاب “هكذا تكلّم زرادشت”، وقد كانت الزرادشتية هي الدين الرسمي للدولة الساسانية الفارسية قبل سقوطها على يد المسلمين زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي أرض فارس وما جاورها حتى تخوم الهند شرقا وحتى الاسكندرية غربا تم تمازج وانصهار كثير من المذاهب الغنوصية ليس مع الزرادشتية وحدها بل حتى مع اليهودية والمسيحية والإسلام، ولهذا اشتدَّ الصراع أيام الفتح الإسلامي الأول بين الإسلام والزندقة؛ أي بين المذهب السني الإسلامي والمذاهب الغنوصية الباطنية الكامنة، وكان التشيُّع هو أسهل عباءة يلبسها الغنوص لمحاربة الإسلام السني جنبا إلى جنب مع التصوُّف الفلسفي الباطني ذي الطبيعة الإشراقية، ولهذا كان إيقاظ الغنوص هو الوسيلة الفعالة التي استعملها الاستعمار البريطاني حين غزا الهند لمحاربة الإسلام والمسلمين وخلقه للديانات الغنوصية الجديدة هناك كالبابية والبهائية، واستعملت فرنسا أيضا ذات الأسلوب بتشيجيع التصوُّف الباطني وفرق الدراويش لتغييب روح المقاومة الإسلامية السنية في البلدان التي احتلتها، لكن السحر في الغالب ينقلب على الساحر وها هو الغنوص اليوم ينخر الغرب وينهي سطوة الرجل الأبيض ليدع “الألوان البشرية تتفتَّح كلها” ومنها ألوان قوس قزح مع المثليين والجندريين.

إن الغنوص اليوم يتسلل من كل مكان وهو بطبيعته لا يحب الوضوح والمصارحة بل يعتمد الغموض والمراوغة، وهو يكره اللغة المعيارية أي لغة المعاجم والقواميس لأن من شأن اللغة المعيارية أن تخلق الفهم والتواصل، والغنوص لا يريد للناس أن يفهموا ولا أن يتواصلوا، ولهذا تعتبر لغة الرواية الأدبية والأفلام الخيالية وكل الوساط اللاعقلانية التي تخاطب اللاشعور وتقفز على العقل والمنطق هي الأداة المثلى للأجندة الغنوصية العولمية اليوم، وهي أجندة  تجمع بين أمرين: سرعة التفكيك والانقسام من جهة ومركزية الزعيم الخفي من جهة أخرى، وهذا ما يحدث الآن في العالم بشكل متسارع، تفكيك لكل المركزيات القيمية وتركيز للقوة والثروة والهيمنة في أيدي مؤسسات عابرة للقارات غير شفافة ولا يمكن مساءلتها ولا تخضع للمراقبة ولا يعنيها التداولُ على السلطة أو الخوف من غضب الناخبين، فقد شوَّه الغنوص الجديد العملية الديمقراطية في العالم بأسره إذ حوَّلها إلى مجرّد عملية تبادل كراسي بين منتخَبين بيروقراطيين يديرون اللعبة كما هي لكنهم لا يستطيعون تغييرها أو حتى انتقادها فهم كالشارة الحمراء في يد مُصارع الثيران، والثور لا يرى مُصارعه الحقيقي لكن تستفزه الشارة الفاقعة المتحرِّكة، وقد أحسن أكرلوف وشيلر الوصف حين بيَّـنا أن الذي يتحكم في الإنسان في عصر العولمة ليس العقل ولا الأخلاق بل غريزة الحيوان وذلك في كتابهما “الأمزجة الحيوانية: كيف يقود علم النفس البشري الاقتصاد، ولماذا هو مهمٌّ للرأسمالية العالمية”.

في الوقت الذي تُطرد فيه الأبقار من الحظائر في أوربا نسمع عن تصنيع البروتين واللحم الصناعي في البلدان الناشئة والمتطوِّرة، وفي الوقت الذي يتكثف الحديث عن أضرار الحليب الحيواني يكثر الترويج لحليب الصويا والحليب النباتي، وفي الوقت الذي يبدي فيه الأمريكان عدم الاكتراث بحروب البترول التقليدية يبرز نوعٌ جديد من الحروب أساسه الرقمنة والشرائح الإلكترونية وعالم الكريبتو والتجارة الإلكترونية.

وبسبب الطبيعة المراوِغة للغنوص الجديد وحالة السيولة والفيض التي خلقتها العولمة لم يعد بإمكان الإنسان العادي أن يفهم بسهولة جملة الأحداث التي تدور من حوله بل لابد له إذا أراد أن يفهم شيئا يحدث في الشرق أن يبحث عما يوافقه ويخدمه هناك في الغرب أو في الجنوب أو في القطبين المتجمدين حيث لا توجّه الأنظار ولا تصغي الآذان. وبالتطبيق على ما ذكرناه في بداية المقال، نرى أنه في الوقت الذي تُطرد فيه الأبقار من الحظائر في أوربا نسمع عن تصنيع البروتين واللحم الصناعي في البلدان الناشئة والمتطوِّرة، وفي الوقت الذي يتكثف الحديث عن أضرار الحليب الحيواني يكثر الترويج لحليب الصويا والحليب النباتي، وفي الوقت الذي يبدي فيه الأمريكان عدم الاكتراث بحروب البترول التقليدية يبرز نوعٌ جديد من الحروب أساسه الرقمنة والشرائح الإلكترونية وعالم الكريبتو والتجارة الإلكترونية، ولهذا يرى عالم الانتروبولوجيا الأمريكي دافيد جريبر أن أمريكا تسخّر نحو 800 قاعدة عسكرية في مختلف بقاع العالم وتستمر في الإنفاق على جيشها أكثر مما تنفق أمم الأرض كلها مجتمعة، ليس من أجل الاستيلاء على منابع النفط فحسب فالبترول وإن كان مهمّا من الناحية الإستراتيجية كغطاء للدولار الأمريكي وكمصدر للطاقة الرخيصة، إلا أنّ الهدف المقدَّس الذي تتفانى الترسانة الأمريكية من أجل حمايته هو “أن يبقى النظام المالي العالمي برمته منتظما حول الدولار”، فقد كان الدولار في البداية يتخذ غطاءه من الذهب، لكن الطريقة الربوية التي تتبعها البنوك في خلق النقود من الودائع جعلت هذا الدرع الذهبي يضيق على لابسه في وقت قصير ويعجز عن تلبية الطلب الجديد على النقود بعد أن غيّر الغنوص من طبيعة الإنسان المعاصر وحوَّله من الإنسان المتقشّف المدّخر إلى الإنسان المستهلِك الغارق في الديون، وبعد أن كان عائد الإدخار يعود للمدخر في حد ذاته فتتوزع الثروة في المجتمع حسب الجهد، أصبحت البنوك تحتفظ لنفسها بنسخة من كل وديعة تودع لديها في شكل وديعة مشتقّة، ولا تكتفي بذلك بل تعيد إقراض تلك الودائع المشتقّة بفوائد ربوية، ومن هنا نفهم سرّ التقليص الشديد في الدول الغربية من استعمال النقود الورقية وتشجيع الناس على التعامل بالحسابات البنكية وبطاقات الإئتمان، إذ من شأن ذلك أن يمنع التسرُّب المصرفي، فيكون الصيد كله في جوف الفرا وتتحول النقود كلها إلى ودائع بنكية والودائع تتحول إلى قروض مدرّة للفائدة.

أمريكا تسخّر نحو 800 قاعدة عسكرية في مختلف بقاع العالم وتستمر في الإنفاق على جيشها أكثر مما تنفق أمم الأرض كلها مجتمعة، ليس من أجل الاستيلاء على منابع النفط فحسب فالبترول وإن كان مهمّا من الناحية الإستراتيجية كغطاء للدولار الأمريكي وكمصدر للطاقة الرخيصة، إلا أنّ الهدف المقدَّس الذي تتفانى الترسانة الأمريكية من أجل حمايته هو “أن يبقى النظام المالي العالمي برمته منتظما حول الدولار”.

وبالرجوع إلى حالة الدولار وبعد أن أصبحت كمية النقود أضعاف كمية الذهب الذي يغطيها، انتقل الدولار إلى نوع آخر من الغطاء، وبلغة غنوصية تفصل الدال تماما عن المدلول أو تجعله يذوب فيه ويلتحم معه، لم يعد لونُ الذهب أصفرَ بل أسود، ودخل العالم مرحلة البترودولار، لكن يبدو أن أنهار الدولار المتدفِّقة أصبحت أكثر تدفقا من أبار النفط، وجرى خلق النقود بكميات هائلة تتجاوز قدرة الاقتصاد الحقيقي وقدرة الموارد الطبيعية على التجدد، ومرة أخرى لم يعد الذهب الأسود كافيا لستر عورة الدولار، ولهذا اتّجهت أنظار السحرة هذه المرة إلى الإنسان في حد ذاته ليصبح الكيان الإنساني هو الغطاء الجديد للأموال الربوية التي تخلقها البنوك من العدم دون أن تستشير أحدا، وهذا معناه أنه ليست الأبقار الهولندية وحدها هي الضحية في المنظومة الاستهلاكية الربوية الغنوصية بل إن الغنوص يسوي الآن بين كل الأشياء: البترول والذهب والبقر والبشر والشجر والحجر والحيوان والإنسان والرجال والنساء والأطفال والشيوخ… فالكل يصلح وقودا لفُرن الاستهلاكية الربوية ما دامت كل الثنائيات قد تمت تسويتها ومُحيت مرجعيات التفرقة بين الخير والشر والحلال والحرام وما يجوز وما لا يجوز من خلال إرادة القوة المتألهة.

مقالات ذات صلة