الرأي

لماذا شكر المصريون الجميع‮… ‬إلا الجزائر؟

عبد الناصر بن عيسى
  • 14147
  • 40

تواصل أمس المنتدى الاقتصادي‮ ‬في‮ ‬شرم الشيخ،‮ ‬الذي‮ ‬أخذ عنوانا كبيرا لصالح مستقبل مصر،‮ ‬وحضره المئات من الرؤساء ومن رجالات المال والأعمال،‮ ‬وتحوّل في‮ ‬بعض فصوله إلى عطاءات بملايير الدولارات،‮ ‬ستنعش الاقتصاد المصري‮ ‬بالتأكيد‮. ‬وكانت ابتسامات الرئيس المصري‮ ‬عبد الفتاح السيسي،‮ ‬وهو‮ ‬يستمع إلى أرقام المساعدات‮ “‬المليارية‮” ‬العُمانية والكويتية والسعودية والإماراتية تؤكد بأن مصر قد حققت هدفها بالكامل من هذا الملتقى الاقتصادي،‮ ‬وهذا من حقها طبعا‮.‬

لكن الملاحظة التي‮ ‬حزّت في‮ ‬النفس هي‮ ‬المشاركة القوية للجزائر في‮ ‬هذا الملتقى والكلمة الطويلة والقوية والدسمة التي‮ ‬تفضل بها الوزير الأول،‮ ‬عبد المالك سلال،‮ ‬الذي‮ ‬أمضى معنويا وماديا على بياض،‮ ‬لأجل مساعدة مصر،‮ ‬من خلال منح الكثير من فرص الاستثمار للمؤسسات المصرية،‮ ‬ضمن تعاون أو‮ “‬حبّ‮” ‬من طرف واحد طبعا‮. ‬ومع ذلك،‮ ‬تجاهل المصريون هذه‮ “‬الوقفة‮” ‬حتى من خلال إعلامهم الثقيل والخفيف‮. ‬فكانت حال عبد المالك سلال،‮ ‬كمن أدى واجبه من دون منّ‮ ‬ولا شكور‮. ‬وهو الذي‮ ‬سهر منذ بضعة أسابيع على مراجعة إحدى عشرة اتفاقية،‮ ‬مع مصر،‮ ‬تركزت على تنمية الصادرات المصرية للجزائر‮. ‬وخصصت الفضائيات المصرية الرسمية مساحة زمنية شاسعة لأجل شكر الدول الخليجية والأردن وحتى قبرص وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬وسعت إلى ترجمة خطابات ألقيت باللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية في‮ ‬هذا الملتقي،‮ ‬ولم تقدم ولو ومضة من خطاب الوزير الأول،‮ ‬عبد المالك سلال‮. ‬وفي‮ ‬القاهرة،‮ ‬أقامت جمعيات مصرية،‮ ‬بدعم من الدولة،‮ ‬مهرجانات كبيرة أسمت بعضها‮ “‬شكرا للإمارات‮” ‬و”شكرا للكويت‮”‬،‮ ‬ونشطها إعلاميون وفنانون وساسة،‮ ‬ذكروا البلدان التي‮ ‬تستحق الشكر،‮ ‬فسمّوا حتى السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس،‮ ‬ولا أحد أخطأ،‮ ‬وذكر اسم الجزائر‮.‬

سنكون مخطئين بالتأكيد،‮ ‬لو عاتبنا المصريين على تجاهلهم شكر الجزائر،‮ ‬وسنكون‮ “‬مذنبين‮” ‬في‮ ‬حق الإعلام وفي‮ ‬حق الفن،‮ ‬لو انتظرنا كلمة طيبة من أفواه لا تقول إلا بأمر أو بثمن،‮ ‬ولكننا لا نفهم إن كانت الديبلوماسية والعلاقات مع الدول،‮ ‬هي‮ ‬أن تعطي‮ ‬بيمينك ما لا تعلمه شمالك،‮ ‬فما بالك أن‮ ‬يعلم الطرف الآخر،‮ ‬ومن المضحك أيضا أن‮ ‬يقول رجل سياسي‮ ‬جزائري‮ “‬كبير‮” ‬إن الجزائر كانت دائما السباقة لمساعدة الأشقاء في‮ ‬صمت،‮ ‬من دون انتظار شكر من أيّ‮ ‬كان‮.‬

لقد عرف الجزائريون بالصدفة منذ سنتين خلتا،‮ ‬بأن بلادهم،‮ ‬قدّمت أكثر من تسعمائة مليون دولار،‮ ‬إلى أربعة عشر بلدا إفريقيا،‮ ‬وعلموا بالصدفة أن الجزائر قد قرّرت مسح هاته الديون من دون استشارة شعبها ومن دون طلب هاته البلدان،‮ ‬وعلموا أيضا،‮ ‬ولكن من دون صدفة،‮ ‬بأن لا أحد من هاته البلدان،‮ ‬قدم شكرا ولو عابرا للجزائر،‮ ‬من سيشل أو موزمبيق أو إثيوبيا،‮ ‬ما عدا تصفيقا حارا،‮ ‬تلقاه السيد عمار بلاني،‮ ‬الناطق باسم الخارجية الجزائرية عندما زفّ‮ ‬الخبر،‮ ‬خلال الاحتفال بالذكرى الخمسينية لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية التي‮ ‬لا وحدة فيها‮.‬

وعرف الجزائريون بالصدفة أن بلادهم،‮ ‬قدمت نصف مليار دولار للنظام في‮ ‬العراق،‮ ‬الذي‮ ‬يسيّر أمواله الموالون لأمريكا ولإيران،‮ ‬وعرفوا بالصدفة أن بلادهم،‮ ‬مسحت هذا الدين،‮ ‬الذي‮ ‬تحتاجه الآن بعد انهيار أسعار النفط،‮ ‬وعلموا أيضا،‮ ‬ولكن من دون صدفة أنه لا العراق ولا الولايات المتحدة الأمريكية ولا إيران قدّموا شكرا عابرا للجزائر،‮ ‬إن لم‮ ‬يكونوا علموا أصلا بمسح الدين‮.‬

هل فهمتم الآن،‮ ‬لماذا شكرت مصر،‮ ‬بساستها ورجال أعمالها وإعلامها الدول الخليجية والأردن وقبرص والبرازيل وتشاد وفرنسا وبريطانيا وليبيا وأوغندا‮… ‬وتجاهلت الجزائر؟

مقالات ذات صلة