لماذا طغى الطمعُ على الجزائريين؟
آلاف الجزائريين وقعوا ضحية احتيال مولاي صالح، صاحب سوق “الوعد الصادق” وسلّموه عقاراتهم وسياراتهم وأملاكهم برضاهم، وقبلها وقع الآلاف ضحية احتيال عبد المومن خليفة وسلموه أيضاً أموالهم برضاهم.
في فضيحة الخليفة، رأينا كيف كان آلاف المواطنين يتهافتون على إيداع أموالهم، في هذا البنك الجديد طمعا في تحقيق “فوائد” مالية سنوية معتبرة، ومن دون جهد، بالنظر إلى نسبة فوائده المرتفعة التي بلغت 17 بالمائة، ولم يتساءل هؤلاء “الضحايا” عن سر نسبة “الفائدة” المرتفِعة التي كان يمنحها بنكُ الخليفة، في حين كانت لا تتجاوز 6 بالمائة في البنوك العمومية، مع تخفيضها في كل مرة تنخفض فيها نسبة التضخم، وهي قاعدة مالية معروفة؟
وعوض أن يكون ما حدث لزبائن الخليفة درسا للجزائريين، فقد تكرّر الأمر، ولو بشكل مختلف، مع مولاي صالح؛ فقد أقبل الآلاف على التعامل معه دون تردّد وباعوه سياراتِهم وعقاراتهم وذهبهم ومواشيهم بالدين، ومقابل وصولات لا قيمة قانونية لها، بعد أن جذبتهم الأسعار المرتفعة التي كان “يعِدهم” بها، من دون أن يتساءلوا عن سرّ هذا الرجل الذي يقتني سياراتٍ وعقارات بأسعار مرتفعة من دون أن يدفع ثمنَها ثم يبيعها بأسعار أدنى، فماذا يربح إذن؟ وكيف؟
ولأنّ هذا الأسئلة المهمّة لم تُطرح، فقد جنى مولاي منهم 3 آلاف مليار سنتيم، ثم اختفى بسهولة، وحتى القبض عليه لن يحلّ المشكلة، فمن أين يجلب المتهم هذا المبلغ “المهول” ليعيده إلى ضحاياه؟
كل ما ينتظر مولاي هو تغريمه وسجنه سنوات طويلة كما سُجن الخليفة وانتهى الأمر، أما آلاف الملايير فقد ضاعت، وضاعت معها عائلاتٌ كثيرة ذهبت ضحية طمع أربابها في تحقيق الثراء من دون جهد، قبل أن تذهب ضحية احتيال مولاي.
حتى الأفارقة أصبحوا يحتالون على الجزائريين ويسلبونهم الملايير بطريقةٍ غريبة، فهم يوهمونهم بأنهم يملكون سائلا سحريا بإمكانه أن يحوّل الدينار إلى أورو ودولار، فيصدّقهم ضحاياهم بسهولة ويسلمونهم ملايين الدنانير لتتحوّل إلى ثروات بالدوفيز، ليختفي بعدها الأفارقة ولا يجني ضحايا طمعِهم وسذاجتهم غير الحسرات.
الآلاف من الجزائريات يقعن ضحايا المشعوذات الغجريات اللواتي يسلبنهنّ حليّهن ثم يخدّرنهن ويختفين، ومئات الآلاف، وربما الملايين، من الجنسين يقعون ضحايا للمشعوذين والدجالين والرقاة المزيفين، الذين يستنزفون أموالهم لسنوات، والآلاف يقعون ضحايا “باعة الكلام” الذين يقدّمون أنفسهم “خبراء” فيما يُسمى “التنمية البشرية“، ولا يستفيدون منها غير الكلام المنمّق الفارغ، والآلاف يقعون ضحايا إعلانات من نوع “كيف تصبح مليونيراً في أسبوع؟” ثم يصبح المعلِنون مليونيراتٍ على حساب السذج الذين يصدّقونهم، وآلاف آخرون يذهبون ضحايا عمليات احتيال متعدِّدة..
قد يقول البعض إن الأمر يتعلق بأقليةٍ من الضحايا في النهاية، ولا يستحق التهويل، ولكن لابد من القول إن الطمع وثقافة تحقيق الرِّبح السريع والثراء من دون جهد قد غزت ذهنيات الجزائريين، على حساب ثقافة العمل والإنتاج وبذلِ الجهد لخلق الثروة كما هو حاصل في الدول المتقدمة التي تقدّس العمل، لقد طغت ثقافة الكسل والبحث عن تحقيق الثراء بالريوع المختلفة وتراجعت قيمة العمل والإنتاج لدى الجزائريين، وهنا تكمن الخطورة.