الرأي

لماذا قطعت الجزائر علاقاتها مع الإمارات؟

في قرارٍ وُصف بأنه تاريخي والأكثر جرأة منذ عقود، أعلنت الجزائر يوم الخميس 10 سبتمبر 2026 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ومنحت السفير الإماراتي مهلة لا تتجاوز ثمانٍ وأربعين ساعة لمغادرة الأراضي الجزائرية.

لم يأتِ هذا القرار فجأة أو وليد لحظة غضب عابر، بل كان تتويجا  لرحلة تمتد لسبعة وعشرين عاما  بدأت في أبريل عام 1999، حين منح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الإمارات أفضلية استثنائية لم تُعطَ لأي دولة أخرى، لا الولايات المتحدة ولا الصين ولا روسيا، وليس لِما تملكه الإمارات من قدرات، بل عرفانا  بجميل شخصي قدّمه له حكامُها في فترة محنته وغربته، فتحوَّل ذلك الامتنان الشخصي إلى سياسة دولة أضرّت بلجزائر لعقود، حتى تحول «الشريك المُكرَّم» إلى خصم يستهدف وجود الجزائر، فكان لا بد من قطع العلاقات كخيار أخير لم يتبقّ سواه.

وقبل أن نحلّل الصفقات والاستثمارات، لا بد أن نعود إلى ما قبل التسعينيات، إلى الجذر الحقيقي الذي ربط بوتفليقة بأولاد زايد بوشاح لا ينفصم. بعد وفاة الرئيس هواري بومدين نهاية عام 1978، تغيرت المعادلات، وجاء الرئيس الجديد الشاذلي بن جديد ليستغني عن بوتفليقة ويبعده عن السلطة. غادر بوتفليقة الجزائر وعاش في منفاه الاختياري ما يقارب العقدين من الزمن، من أوائل الثمانينيات وحتى عودته لتسلم السلطة عام 1999. وفي تلك الفترة العصيبة، حين كان بعيدا عن وطنه ومسؤوليته، لم يجد من يفتح له الأبواب ويُكرِم نزله ويعامله كوزير سابق وشخصية وطنية كبيرة سوى قصور أولاد زايد في الإمارات. هناك احتضنوه، وأكرموه، وكان له من الرعاية والمكانة ما لم يجده في سواهم.

وهنا يكمن سرُّ ما حدث لاحقا: بوتفليقة لم ينسَ هذا الجميل قطّ. لقد ترسخ في وجدانه أن آل نهيان هم من وقفوا بجانبه حين تخلّى عنه الجميع، فما إن عاد إلى السلطة في أفريل 1999 حتى نظر إلى الجزائر -بكل ما تملك من ثروات وموقع ومكانة- وكأنها «هدية» يردّ بها الجميل لمن آواه في محنته. لم ينظر إلى الامتيازات التي منحها كسياسة دولة تُحكمها المصالح الإستراتيجية والندية والقانون، بل نظر إليها كـ«ردّ جميل ووفاء» لمن أحسن إليه شخصيا  قبل أن يكون رئيسا. وهكذا خلط بوتفليقة بين واجب الدولة تجاه شعبها وامتنان الفرد تجاه من أحسن إليه شخصيا، فكانت الكارثة التي دفعت الجزائر ثمنها ربع قرن كامل.

حين منح بوتفليقة «صكّ ملكية» لمن آواه

بناءً على هذا الشعور العميق بالامتنان، فتح بوتفليقة أمام الإمارات أبواب الاقتصاد الجزائري على مصراعيه، ومنحها امتيازات وتسهيلات استثنائية لم تُمنح لأحد من قبل، ولا لقوى عظمى كانت تملك من القدرة على مساعدة الجزائر أكثر مما تملك الإمارات. ووقّعت في 24 أبريل عام 2001 اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار التي دخلت حيز التنفيذ في أوت 2002، وبموجبها حصلت الشركات الإماراتية على معاملة تفضيلية مكَّنتها من الدخول إلى قطاعات إستراتيجية حساسة: من إدارة ميناء الجزائر وميناء جن جن عبر شركة موانئ دبي العالمية، إلى إدارة وتشغيل الشركة الوطنية للتبغ والكبريت، مرورا بمشاريع صناعية ضخمة كـ«إمارات دزاير للصلب» في عنابة، وشراكات في الصناعة العسكرية عبر مشروعات إنتاج العربات المدرَّعة في خنشلة وقسنطينة. وقد قدّرت قيمة الاستثمارات الإماراتية في نهاية عهد بوتفليقة بنحو عشرة مليارات دولار، تمركزت في قطاعات لم يُسمح لأي قوة أجنبية أخرى بالاقتراب منها بهذا الحجم والنفوذ.

لقد تصرَّف بوتفليقة وكأن خيرات الجزائر ومؤسساتها وثرواتها هي «ممتلكاته الشخصية» يهبها لمن شاء عرفانا بجميل سلف، فجاء «أولاد زايد» -كما توقع بوتفليقة- ليستلموا الهدية، ولكنهم لم يتعاملوا معها كوديعة تُحفظ، بل تعاملوا معها كغنيمة يُعبث بها ويستخرجون منها أقصى ما يستطيعون. وعلى مدار عقدين كاملين -من 1999 حتى اندلاع الحراك الشعبي المبارك  وتنحِّي بوتفليقة 2019- عبثت الأيادي الإماراتية بمؤسسات الجزائر وثرواتها، وحصدت من ورائها أرباحا  طائلة، بينما لم تعُد على الجزائر بالنفع المأمول ولا بشراكة متكافئة تحترم سيادتها واستقلال قرارها.

ولم يقتصر الضرر على الجانب الاقتصادي، فقد كشفت السنوات اللاحقة أن تلك الامتيازات السخية تخللتها ما يشبه «الصفقة الخفية»: مئات الملايين من الدولارات حُوِّلت وعُثر عليها في حسابات بنكية داخل الإمارات تخص أشخاصا مقربين من عائلة بوتفليقة ومسؤولين كبار في نظامه، أي أن الجزائر قدّمت ثرواتها ومفاتيح اقتصادها عرفانا بجميل شخصي، فاستُغلّ ذلك لنهب منظم وتحويل أموال الدولة إلى أرصدة خاصة في المصارف الإماراتية، من دون رقيب ولا حسيب. وهكذا بُنيت العلاقة منذ البداية على أساس معيب: امتنان شخصي تحوَّل إلى تضحية بمصير وطن، فأُعطيت المفاتيح لمن لم يكن أهلا  للأمانة.

حين انقلب «المعطى له» إلى عدوّ لمن أعطاه

مع اندلاع الحراك الشعبي المبارك في فبراير 2019 ورحيل بوتفليقة، تغيَّرت المعادلة بالكامل، فبدلا  من أن تُقدِّر الإمارات ما نالته من سخاء الجزائر وتُبقي على الودّ والاحترام، انقلبت على الجزائر الجديدة، وبدلا  من أن تسعى لبناء علاقاتها مع السلطة الجديدة على أسس جديدة، واصلت التمسك بمكاسب العهد السابق ورفضت التعاون في أيِّ ملفات تهم الجزائر حيويا، بل بدأت تتبنى سياسات أصبحت تُشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي الجزائري على أكثر من صعيد.

في الملف الليبي، دعمت الإمارات أطرافا  متناقضة مع الحل السياسي الذي تتبناه الجزائر، وفتحت قنصلية في طبرق على مقربة من الحدود الشرقية، في خطوة اعتبرتها الجزائر استفزازا  ومساسا بأمنها الإقليمي. وفي قضية الصحراء الغربية، فتحت الإمارات قنصلية في مدينة العيون المحتلة، ضاربة بعرض الحائط الموقف الجزائري الثابت والداعم لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وتحالفت بوضوح تام مع المغرب في مساره الرامي لتأكيد سيادته على الإقليم. أما في منطقة الساحل -التي تعتبرها الجزائر عمقها الاستراتيجي والأمني الحيوي- فقد توسع النفوذ الإماراتي ماديا ودبلوماسيا  في مالي والنيجر وبوركينا فاسو والتشاد، مما فُهم في الجزائر على أنه محاولة لعزلها وتطويقها استراتيجيا من جهاتها الثلاث.

ولم يقتصر الأمر على الخلافات السياسية، فقد طالبت الجزائر مرارا وتكرارا بالتعاون معها لاسترداد أموالها المنهوبة والمودَعة في المصارف الإماراتية، وكشف حقيقة التحويلات المشبوهة التي تعود لعهد بوتفليقة. ولكن الإمارات رفضت الاستجابة لهذه الطلبات المتكررة، وتجاهلت الحقوق الجزائرية المشروعة في استرداد ثرواتها. وهكذا تبيّن أن من أُعطِي كل شيء بسخاء، لم يملك حتى أدب الردّ أو الاحترام لمن منحه، فما كان يُفترض به أن يكون وفاءً متبادلا تحول إلى جحودٍ وعدوانٍ مُنظّم.

حربٌ شاملة على وطن «وهب» لهم خيراته

ولم يكتفِ هذا التحالف المعادي بالتطويق السياسي والعسكري، بل شنّ حربا شاملة ومتعددة الأوجه تستهدف الجزائر في صميم أرضها ومجتمعها ووعي شعبها، فمن جهة، تتعرض الجزائر يوميا وبشكل منهجي لحرب مخدرات حقيقية، إذ تتدفق عبر الحدود الغربية مع المغرب كمياتٌ هائلة من القنب الهندي، وعبر الحدود الجنوبية من دول الساحل المؤثرات العقلية والكوكايين. وكشفت التحقيقات العميقة أن شبكات التهريب هذه تُدار وتُموَّل وتُغسل عائداتُها عبر دبي، فاليد التي امتدت لتأخذ الامتيازات هي ذاتها التي تُغرق الشباب الجزائري بالسموم.

وفي الوقت نفسه، تتعرض وحدة الجزائر الترابية لخطر مماثل من خلال دعم وتمويل جماعات تصنّفها الجزائر إرهابية وتهدّد أمنها واستقرارها، وفي مقدمتها حركة «ماك» وحركة «رشاد». وقد اتضح أن هاتين الحركتين تتلقيان دعما من الجهات ذاتها التي نعمت بامتيازات بوتفليقة. وإلى جانب ذلك، تشنّ الإمارات حربا  ناعمة لا تقلُّ خطورة: مؤثرون يقيمون في دبي، يدخلون الجزائر ثم يعودون ليشنّوا حملات تشويه منظّمة، ومنظومة إعلامية لا تهدأ ليل نهار عن شتم الجزائر وقادتها واختلاق الأخبار الكاذبة.

إنها مفارقة مريرة: الجزائر التي «وهبت» نفسها وخيراتها لآل نهيان عرفانا  بجميل شخصي، إذا بها تُعامَل كعدوّ يُستباح دمُه وسمعته وثرواته، فما كان يُفترض به أن يكون «وفاءً» تحوَّل إلى مؤامرة تحيط بالجزائر من كل جهة.

قطع العلاقات.. تصحيح خطأ تاريخي

واليوم عندما أعلنت الجزائر قرارها في العاشر من سبتمبر 2026، لم تفصِّل في بيانها كل هذه التفاصيل، ولكن الرسالة كانت واضحة بكل تأكيد: لقد انتهى زمن العطاء بلا مقابل، وانتهى زمن النظر إلى الجزائر كملكية شخصية تُوهب وتُعطى، وعاد الوطن إلى أهله.

إن قرار قطع العلاقات مع الإمارات ليس نزاعا  عابرا بين دولتين، بل هو تصحيحٌ لخطأ تاريخي فادح ارتُكب حين خلط الحاكم بين امتنان الفرد وواجب الدولة. لقد دفع بوتفليقة ثمن «جميل» تلقّاه شخصيا بثمن خيرات وطن بأكمله، فمنح ما لا يملك لمن لا يستحق، فكانت النتيجة أن تحوَّل من شكروا له العطاء إلى من يُحاولون تفتيت الوطن الذي وُهب لهم.

لقد تأخر هذا القرار طويلا، وتحمّلت الجزائر الكثير لفترة طويلة أملا في أن يُقابل الإحسانُ بالإحسان. ولكن حين وصل الإحسان إلى حدّ التفريط في السيادة والأمن والكرامة، وحين قوبلت الهدايا السخية بالمؤامرات المنهجية، لم يتبقَّ خيار سوى استرداد ما فرّط فيه السلف، وإغلاق الباب الذي فُتح بسخاء فأُسيء فتحه واستغلاله.

السيادة لا تُساوَم، والأمن القومي لا يُقايَض، والوطن ليس هدية تُعطى عرفانا بجميل شخصي مهما عظُم. وهكذا كانت العبرة: أن من يُعطى بلا حدود سيُسيطر بلا حدود، وأن من يُمنح مفاتيح الوطن من دون شروط سيُحاول تدمير الوطن حين تتغير المصالح. وها هي الجزائر تقول كلمتها وتقطع علاقاتها، لتُعلن أن الصفقة قد انتهت، وأن الحساب قد بدأ، وأن الوطن أكبر من أيِّ امتنان شخصي وأسمى من أيِّ علاقة مبنية على العاطفة لا على المصالح والندية والاحترام المتبادل.

***

*بناءً على هذا الشعور العميق بالامتنان، فتح بوتفليقة أمام الإمارات أبواب الاقتصاد الجزائري على مصراعيه، ومنحها امتيازات وتسهيلات استثنائية لم تُمنح لأحد من قبل، ولا لقوى عظمى كانت تملك من القدرة على مساعدة الجزائر أكثر مما تملك الإمارات. ووقّعت في 24 أبريل عام 2001 اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار التي دخلت حيز التنفيذ في أوت 2002، وبموجبها حصلت الشركات الإماراتية على معاملة تفضيلية مكَّنتها من الدخول إلى قطاعات إستراتيجية حساسة.

* لقد تصرَّف بوتفليقة وكأن خيرات الجزائر ومؤسساتها وثرواتها هي «ممتلكاته الشخصية» يهبها لمن شاء عرفانا بجميل سلف، فجاء «أولاد زايد» -كما توقع بوتفليقة- ليستلموا الهدية، ولكنهم لم يتعاملوا معها كوديعة تُحفظ، بل تعاملوا معها كغنيمة يُعبث بها ويستخرجون منها أقصى ما يستطيعون. وعلى مدار عقدين كاملين -من 1999 حتى اندلاع الحراك الشعبي المبارك  وتنحِّي بوتفليقة 2019- عبثت الأيادي الإماراتية بمؤسسات الجزائر وثرواتها، وحصدت من ورائها أرباحا  طائلة، بينما لم تعُد على الجزائر بالنفع المأمول ولا بشراكة متكافئة تحترم سيادتها واستقلال قرارها.

*في الملف الليبي، دعمت الإمارات أطرافا  متناقضة مع الحل السياسي الذي تتبناه الجزائر، وفتحت قنصلية في طبرق على مقربة من الحدود الشرقية، في خطوة اعتبرتها الجزائر استفزازا  ومساسا بأمنها الإقليمي. وفي قضية الصحراء الغربية، فتحت الإمارات قنصلية في مدينة العيون المحتلة، ضاربة بعرض الحائط الموقف الجزائري الثابت والداعم لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وتحالفت بوضوح تام مع المغرب في مساره الرامي لتأكيد سيادته على الإقليم. أما في منطقة الساحل -التي تعتبرها الجزائر عمقها الاستراتيجي والأمني الحيوي- فقد توسع النفوذ الإماراتي ماديا ودبلوماسيا  في مالي والنيجر وبوركينا فاسو والتشاد.

* لم يقتصر الأمر على الخلافات السياسية، فقد طالبت الجزائر مرارا وتكرارا بالتعاون معها لاسترداد أموالها المنهوبة والمودَعة في المصارف الإماراتية، وكشف حقيقة التحويلات المشبوهة التي تعود لعهد بوتفليقة. ولكن الإمارات رفضت الاستجابة لهذه الطلبات المتكررة، وتجاهلت الحقوق الجزائرية المشروعة في استرداد ثرواتها. وهكذا تبيّن أن من أُعطِي كل شيء بسخاء، لم يملك حتى أدب الردّ أو الاحترام لمن منحه، فما كان يُفترض به أن يكون وفاءً متبادلا تحول إلى جحودٍ وعدوانٍ مُنظّم.

* لم يكتفِ هذا التحالف المعادي بالتطويق السياسي والعسكري، بل شنّ حربا شاملة ومتعددة الأوجه تستهدف الجزائر في صميم أرضها ومجتمعها ووعي شعبها، فمن جهة، تتعرض الجزائر يوميا وبشكل منهجي لحرب مخدرات حقيقية، إذ تتدفق عبر الحدود الغربية مع المغرب كمياتٌ هائلة من القنب الهندي، وعبر الحدود الجنوبية من دول الساحل المؤثرات العقلية والكوكايين. وكشفت التحقيقات العميقة أن شبكات التهريب هذه تُدار وتُموَّل وتُغسل عائداتُها عبر دبي، فاليد التي امتدت لتأخذ الامتيازات هي ذاتها التي تُغرق الشباب الجزائري بالسموم.

مقالات ذات صلة