لماذا لا نذكرهم إلاّ بعد الممات؟
يستقبل اليوم الجزائريون جثمان الرّاحل حسين آيت أحمد في ظل أجواء تأثر لفقدان واحد من أهم قيادات النضال الوطني قبل الثورة التحريرية وأثناء الثورة وبعدها، وعلى عكس كل القيادات الثورية التي رحلت على مدار السنوات الماضية فإن رحيل الزعيم آيت أحمد له ميزة خاصة، خصوصية نضال الرّجل على مدار سبعة عقود كاملة.
لكن السؤال المطروح هو: لماذا كانت القيم التي يمثلها الرمز حسين آيت أحمد غائبة عن يومياتنا، وهل تكفي هذه الصّحوة المتأخرة في التّعامل مع الإرث السّياسي والنّضالي الذي تركه آيت أحمد في ترجمة تلك الأفكار السّامية عن الحرية والدّيمقراطية، أم أنّ الأمر لا يعدو أن يكون أداء للواجب في حقّ شخصية كرّست حياتها كلّها في خدمة القضية الجزائرية، وبعد أن يتم دفن الزعيم الراحل يعود الجميع إلى حالة السّبات في التعامل مع الرّموز التاريخية.
كم هو عدد الجزائريين الذين أتيحت لهم فرصة اللقاء بالزعيم آيت أحمد والاستماع إلى حديثه وجها لوجه، ومعرفة وجهات نظره في مختلف القضايا ذات العلاقة بالنّضال الوطني دون العودة إلى ما ينقله عنه غيره من النّاس؟ ومن كانت لهم فرصة لقاء بن خدة أو فرحات عباس أو عبد الحفيظ بوصوف وغيرهم من القادة الذين عاشوا لسنوات بعد الاستقلال، ولماذا حدثت القطيعة وفُصِل الشعب عن قادته التاريخيين؟ وهل كان على الجزائريين الانتظار حتى يموت رموز التّاريخ حتى يطّلعوا على ما قدموه من تضحيات؟
وإذا كان حظّ الفقيد آيت أحمد أوفر من غيره بفعل الحضور السّياسي خلال كل المحطّات التّاريخية الكبرى بعد الاستقلال، فإنّ الكثير من القادة الثّوريين عاشوا بعيدا عن الأضواء، بل إن عددا كبيرا من أبناء جيل الاستقلال لم يعرفهم أو يسمع عنهم من قبل إلا بعد وفاتهم !
آن الأوان لنتصالح مع تاريخنا، وأول خطوة هي إعادة الاعتبار لما تبقى من قادة الثورة، وأن لا ننتظر وفاتهم لنلتفت إلى تضحياتهم ونضالاتهم كما نفعل الآن مع الراحل حسين آيت أحمد، ويجب أن نفعل ذلك بعيدا عن خصومات الماضي، وبعيدا عن التصفية المتأخرة للحسابات، وهو ما حدث خلال الأشهر الأخيرة من تراشق وتبادل للاتهامات مع أنّ الثورة التحريرية أكبر بكثير مما يجري الحديث حوله من خلافات أو تصفيات هنا وهناك.