الرأي

لماذا لا يُعاقب الشعب.. أيضا؟

يتفق الجزائريون، على أن الكثير من المسؤولين تسبّبوا في ضياع المال العام، فمرّت نسمات خير، بألف مليار دولار، في ظرف وجيز، دون أن تُزهر البلاد أو ترتوي، بين ناهب للثروات، وجاهل أضاع ما عنده من ثروات، ويتفقون على ضرورة تقديم كل سارق أو عابث للمحاكمة، وهم على صواب، وهناك إجماع على أن توقيف السرقات المنظمة التي عرفتها الجزائر، في السنوات الأخيرة، ومدّدت من مسلسلات الفضائح من الخليفة إلى سوناطرك، قادر على أن يجعل طعنة أسعار النفط المنهارة، أقل إيلاما من المتوقع، ويسارع المواطن البسيط دائما إلى توجيه أصابع الاتهام للسلطة، ويُخرج نفسه من التهمة نهائيا، بالرغم من أن المرض الذي أصاب البلاد وصار يهدّد وجودها، بعد انهيار أسعار النفط بمختلف الأوبئة الاجتماعية والاقتصادية، إنما يشترك في أسبابه المسؤولون في القمة والشعب في القاعدة.

فالتحقيق الذي قدمتهالشروق اليوميعن حال السكنات الجديدة بالجزائر العاصمة، التي تم ترحيل الآلاف من ساكني القصدير نحوها، بعد بضعة أسابيع فقط، يورط المواطنين في إهدار كل الجهود المبذولة، حتى وإن كانت من خيرات النفط ولا يُشكر عليها أحد، فالمواطن هو الذي خرّب الأخضر، وهو الذي كسر قنوات المياه، وهو الذي رمى القاذورات من النافذة ومن الشرفة، فأباد الأخضر وزرع النفايات العشوائية، وأسس لإمبراطورية الحشرات والزواحف، وما حدث من فيضانات في باتنة وقسنطينة في المدن الجديدة التي شيّدت في السنوات الأخيرة يتحمل أيضا المواطن تبعاته بعد أن تأكد بأن البالوعات جميعا كانت مليئة بالقاذورات.

الجزائري هو الوحيد في العالم الذي يبني كوخا في أرض تابعة للدولة، ويمدّ نفسه بالكهرباء من عمود كهربائي تابع للدولة، من دون دفع فاتورة هذاالإجرام، بل يتم تكريمه بسكن لائق في أول مناسبة وقد يكون مالكا لغيره، والجزائري هو الوحيد في العالم الذي يصنع تجارته في الشارع فيبيع ما شاء من مباح وممنوع، دون فواتير ولا دفع للضرائب، وقد يتم تكريمه بمنحه محل تجاري في أول مناسبة، وهو الوحيد في العالم الذي يعيث فسادا في الشوارع وفي الملاعب وحتى في المساجد، يبصق على الأرض والجدران، ويسب نفسه والناس وخالقه دون أن يجد قوانين تردعه كما هو الشأن في اليابان والدانمارك وإيران وحتى في تونس.

ومع ذلك يرمي الكرة كاملة في مرمى السلطة، ويحملها كل المشاكل الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية التي يتخبط فيها.

لا جدال في أن الدولة غابت فعلا في العقود الأخيرة، ومنحت هذه الأموال الطائلة لمن لا علاقة لهم بالتسيير والاقتصاد والالتزام والأخلاق، وتتحمل بالتأكيد الجزء الأكبر من هذا الضياع الذي بلغته الأمة وتستحق المتابعة والمحاسبة والعقاب.. ولكن للشعب نصيب، وحان الوقت لمعاقبة المفسدين الصغار أيضا لأنهم سيكبرون، مثل كبار المفسدين الذين كانوا إلى زمن قريبصغارا.

مقالات ذات صلة