الرأي

لماذا لم نبلغ نسبة نمو 7%.. وما العمل؟

محمد سليم قلالة
  • 2114
  • 4

حدّدت الحكومة لنفسها هدفا في الخماسي القادم، هو بلوغ نسبة نمو تقدر بـ7 بالمائة سنويا، وقدَّر منتدى رؤساء المؤسسات هذه النسبة بـ8 بالمائة! وكان علينا، بَدَل أن نُلهي أنفسنا بملاسنات هذا أو ذاك، أو بتفاصيل تصريحات هذا أو ذاك، أن نَطرح على أنفسنا السؤال الكبير الذي ينبغي أن يُطرح: لماذا لم تتحقق هذه النسب؟ وما الذي ينبغي علينا فعله في نطاق ما يُعرف بالاستشراف الاستراتيجي إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه؟ وما مسؤولية كل طرف وكيف عليه أن يتصرف؟ بعيدا عن كل توجيه للنقاش، أحيانا بصفة متعمَّدة، نحو مواضيع ثانوية وأحيانا هامشية لا قيمة لها إلا لدى من لا قيمة للوطن لديهم أو لا قيمة لهم…

لنبدأ من الأهداف التي سَطّرتها الحكومة الجزائرية لنفسها في الفترة الممتدة ما بين 2014 و2019، وإن لم تبدو في شكل استراتيجية شاملة للتنمية محددة في وثيقة معروفة للجميع وهذا من النقائص الكبرى. كل ما نعرفه عن هذه الأهداف أنها وردت في ما سُمِّي بمخطط عمل الحكومة من أجل تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية الذي قدَّمه الوزير الأول في شهر جوان سنة 2014. لقد حدَّد هذه المخطط 7 بالمائة كنسبة للنمو ينبغي تحقيقها كل سنة إلى غاية نهاية العهدة الرئاسية، إضافة إلى أهداف أخرى عامة لا يُمكن الحكم عليها كالقول بتخفيض نسبة البطالة (من دون تحديد الحد أو مجال هذا التخفيض)، أو تنمية الجنوب أو تحسين ظروف معيشة المواطنين أو القضاء على التجارة غير المشروعة أو مكافحة الفساد وتبييض الأموال وتشجيع الاستثمار (أيضا من دون أهداف مضبوطة)… فضلا عن غايات أخرى عامة وجميلة ولكنها غير قابلة للقياس أيضا من نوع “إرساء تنمية إقليمية ومتناسقة تحترم البيئة” أو “تحسين مردود المنظومة الوطنية للتعليم”….الخ، وإذا استثنينا بعض الأرقام المتعلقة ببعض القطاعات كالسكن (2.2 مليون وحدة مبرمجة) والطرق (2000 كلم في الجنوب مثلا)، فإن غالبية الأهداف تبقى عامة وصالحة لكي يتضمنها أي خطاب بما في ذلك خطاب المعارضة… وهذه من بين مشكلاتنا الرئيسة: يتصرف بعض مَن هم في الحكم كما لو كانوا معارضة أو مواطنين لا حول ولا قوة لهم!

أما إذا انتقلنا إلى الأهداف التي سطرها أكبر منتدى لرؤساء المؤسسات في الجزائر FCE فإننا سنجدها أكثر وضوحا من تلك التي حدَّدتها الحكومة، وذلك ضمن الوثيقة المنشورة باسمه المسماة “من أجل انبعاث اقتصاد جزائري” الصادرة هي الأخرى في شهر جوان من سنة 2014 بأجزائها الثلاثة ( الإجراءات الهيكلية العاجلة، والإجراءات القطاعية العاجلة، وسياسة دعم الأسعار). وما يهمنا في هذه الوثيقة الأهداف الكبرى التي حدَّدتها لنفسها في حدود سنة 2020 والتي كانت كالتالي: 

بلوغ نسبة نمو متوسط 8%

تكثيف إنشاء المؤسسات بهدف استحداث 60.000 مؤسسة سنويا.

اِستحداث مناصب عمل دائمة وتقليص البطالة. والهدف هو توفير مليوني منصب عمل في الصناعة والبناء والأشغال العمومية، والفلاحة والخدمات.

زيادة حصة الصناعة في الناتج المحلّي الإجمالي لرفعه إلى 15%

تقليص فاتورة الاستيراد بـ15 مليار دولار، ويوضع كهدف تقليصها بـ5 ملايير دولار ابتداء من سنة 2015

زيادة الصادرات خارج المحروقات بقيمة 10 ملايير دولار

تطويق الاقتصاد غير الشرعي…

ما الذي نلاحظه من الوثيقتين؟

يبدو أن هناك تطابقا كبيرا بينهما من حيث الهدف الكلي المتعلق بنسبة النمو الشامل ما بين 7و8 بالمائة، فإلى مدى تحقَّقت؟ وما الذي ينبغي أن نستنتجه للمستقبل؟

بالعودة إلى آخر تقرير للديوان الوطني للإحصاء نلاحظ أن نسبة النمو السنوية من خلال مؤشرات سنة 2015 بلغت 3.9 بالمائة مقارنة بسنة 2014، حيث كانت 3.8 بالمائة، بما يعني أنها لم تزد عن النصف إلا بقليل عما سطرته الحكومة وأقل من نصف ما توقعه منتدى رؤساء المؤسسات. وفي هذا دلالة واضحة على ضعف مجال الاستشراف عندنا وعدم القدرة على التكيف مع ما يمكن أن يَحدث من تطورات على صعيد سوق المحروقات بالدرجة الأولى. وكان علينا أن نُسارع لتصحيح الوضع باتخاذ تدابير جديدة فضلا عن إشراك الخبرات الوطنية خارج الحكومة في المساهمة في إيجاد علاج حقيقي للحالة التي نحن عليها، وإذا كان ولا بد من تغيير الحكومة أو السياسات العامة فينبغي أن نفعل على هذا الأساس، وليس انطلاقا من حسابات لها علاقة بالصراعات الشخصية أو صراعات الزمر أو مجموعات المصالح أو الأخطر من ذلك بحسابات لها علاقة بأجندات أجنبية لدول وشركات لها مصالح في بلادنا.

إن التفكير الاستشرافي يُلزمنا بطرح الأسئلة الحقيقية بناء على النتائج المحققة: ما الذي ينبغي أن نفعله وقد حدث ما حدث في مجال عدم تحقيق نسبة النمو المرجوة؟ 

ينبغي ألا نلقي كل اللوم عل انخفاض أسعار البترول، هناك أيضا مشكلات على مستوى الفعالية في التسيير والقدرة على التوقع وميكانزيم التكيف لدى القيادات وفي أكثر من مستوى من مستويات القرار. هناك مشكلة في نوعية الأداء وفعاليته ينبغي أن تتغير انطلاقا من قراءة صحيحة وغير مُسيَّسة للنتائج والأرقام، وواقع مختلف القطاعات.

إن ما قدَّمه الديوان الوطني للإحصاء في نشرته الأخيرة ينبغي أن يستوقفنا.

إن نسبة نمو المحروقات لم تنخفض في سنة 2015 أكثر من سنة 2014 (0.4 بالمائة مقارنة بـ 0.6 بالمائة)، كما أن نسبة نمو قطاع الفلاحة ارتفعت إلى 7.6 بالمائة في سنة 2015 مقارنة بـ2.5 بالمائة لسنة 2014، وكذلك الشأن بالنسبة للقطاع الصناعي التي انتقلت من 3.9 بالمائة إلى  4.6 بالمائة سنة 2015… وهذا يعني أنه بإمكاننا أن نصل إلى معدلات أفضل من خلال سياسة أكثر رشادة ننتهجها… لِمَ لا نسأل هذا السؤال ونضع أنفسنا ضمن منطق نقاش حقيقي يتطلع إلى إيجاد حلول فعلية لمشكلاتنا المختلفة بمشاركة الجميع بدل هذا الاستقطاب المقعَّر ـ الفارغ من المحتوى ـ حول قضايا هامشية ما فتئت تُنغِّص حياة المواطنين وتزيدهم هَمّا.

لماذا لا يسكت المتاجرون بالمشكلات الوهمية، المثيرون لمشكلات غير حقيقية، ويُفسِحوا المجال لنقاش حقيقي بشأن مستقبل بلدنا قطاعا بقطاع؟

إن التطورات المتسارعة في العالم تفرض علينا مراجعة سياساتنا شهرا بشهر إن لم يكن يوما بيوم في نطاق رؤية استشرافية شاملة، وليس هناك ما يمكن أن نُسمّيه بسياسة دائمة أو بأشخاص هم وحدهم القادرون على الاستجابة لتحديات جميع المراحل.

فإذا فشل فريق بالالتزام بما وعد به خلال سنتين من العمل، لا يبقى أي مبرر ليستمر، ذلك أنه إما يكون قد أخطأ في التقديرات التي وضعها وعليه أن يتحمل مسؤوليته أو أخطأ في التسيير ولم يتمكن من تحقيق ما وعد به، وفي الحالتين ينبغي أن يتغير. 

وفي حالة بلدنا إما أن تُعيد الحكومة النظر في التوقعات التي وضعتها وتكون أكثر تواضعا في تقديراتها أو تتصرف لتحقيق ما وعدت به، وما دامت لم تستطع ذلك فالتغيير هو  الحل الأمثل وكذا الأمر بالنسبة إلى سياسات رؤساء المؤسسات أو غيرهم. أما أن يبقى الفريق هو الفريق، ربح أو خسر، كانت تقديراته صحيحة أم خاطئة، نجح أم فشل، فذلك ما يتضارب مع الرَّشادة في الحكم وما ينبغي أن يتغير.

ينبغي ألا نلقي كل اللوم عل انخفاض أسعار البترول، هناك أيضا مشكلاتٌ على مستوى الفعالية في التسيير والقدرة على التوقع وميكانزيم التكيُّف لدى القيادات وفي أكثر من مستوى من مستويات القرار. هناك مشكلة في نوعية الأداء وفعاليته ينبغي أن تتغير انطلاقا من قراءة صحيحة وغير مُسيَّسة للنتائج والأرقام، وواقع مختلف القطاعات.

مقالات ذات صلة