لماذا لم يفرج التلفزيون الجزائري عن أرشيف مانديلا؟
كشف تعاطي التلفزيون الرسمي مع وفاة الزعيم الجنوب إفريقي، نيلسون مانديلا، عن غياب إستراتيجية واضحة ومدروسة لدى الجهات المكلفة بتسويق سمعة وصورة الدولة الجزائرية، وفي مقدمتها الإعلام العمومي الذي عجز حتى عن نقل علاقة الرجل الوثيقة بالجزائر للداخل والخارج.
التلفزيون العمومي تعاطى مع وفاة زعيم محاربي الفصل العنصري وسياسة الأبارتايد، وكأنه مجرد رئيس دولة سابق، في الوقت الذي كان يجب على القائمين على شؤون التلفزة الوطنية، أن يفتحوا ملف الراحل منذ وجوده على فراش المرض، تكريما للرجل طبعا، ولكن قبل ذلك، من باب التسويق السياسي الجيّد لصورة الجزائر ولثورتها المجيدة، التي لعبت دورا بارزا في صناعة شخصية هذا الزعيم الثوري.
وتنام التلفزة الوطنية على كنوز لا تقدّر بثمن للزعيم نيلسون مانديلا، سيما في الفترة التي أعقبت خروجه من سجن جزيرة روبن آيزلند، ففي السادس عشر من ماي العام 1990، أي بعد ثلاثة أشهر فقط بعد الإفراج عنه، وصل “مانديلا” رفقة زوجته “ويني” إلى الجزائر في زيارة غير عادية، وقد نقلت “اليتيمة” مراسيم الوصول على المباشر، وبتعليق من الصحفي عبد القادر دعميش.
وقد سمع الجزائريون مباشرة ومن فم الزعيم الإفريقي شهادة غير مسبوقة عن علاقته بالثورة التحريرية (جيش وجبهة التحرير الوطنيين)، ومكانة وكفاح ونضال الشعب الجزائري في وجدانه خلال سنوات تواجده في سجن نظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا، كل هذا حدث في تصريحات حصرية لشاشة “اليتيمة”.
كما نقلت اليتيمة خطابا غير مسبوق للراحل في مهرجان شعبي بالقاعة البيضاوية بمركب 5 جويلية، رفقة الراحل عبد الحميد مهري، كما كان ضيف حصة “الحدث” التي كان يقدمها الإعلامي مدني عامر، على مدار ساعة ونصف، استفاض خلالها في الحديث عن استلهامه من نضال الشعب الجزائري، ومعاناته في مكافحة نظام الفصل العنصري البائد.
وفي الوقت الذي تحولت شخصية الزعيم الجنوب إفريقي، إلى إيقونة في كافة بلدان المعمورة غداة وفاته، وباتت صوره ملازمة لكافة نشرات تلفزيونات العالم، بما فيها تلك التي لم يزرها ولم تؤمن يوما بنضاله المشروع من أجل حق شعبه في التحرر من نير الاستعباد، يرى متابعون للشأن الإعلامي في الجزائر، أن التلفزة الوطنية لم تستغل كما يجب الكنوز التي تنام عليها، من أجل تسويق صورة الجزائر سياسيا، وهي الملاحظة التي تنطبق أيضا على وفاة الزعيم الفيتنامي “الجنرال جياب” (بقي بالجزائر 15 يوما في 1975) الذي دوخ فرنسا وأمريكا في حرب التحرير، وبطل حرب العبور العربية ضد الدولة العبرية، سعد الدين الشاذلي، الذي كان لاجئا بالجزائر، وكذا الرئيس الأمريكي المغتال جون كينيدي، صديق الثورة الجزائرية.
هذه الانتقادات حملتها “الشروق” إلى توفيق خلادي، الرئيس المدير العام للتلفزيون، فكان رفضه قاطعا لاتهام التلفزة الوطنية بالتقصير في استثمار علاقة الزعيم الجنوب إفريقي بالجزائر، وأكد أن مصالحه لم تقصّر في حق الراحل، بل “أنجزت ما كان يجب عليها فعله”، وأشار في هذا الصدد إلى اللقاء الذي أجراه التلفزيون بعد وفاة الزعيم الإفريقي مع حسين جودي، مرافق مانديلا عندما نزل ضيفا على الثورة، وسفير الجزائر بجنوب إفريقيا سابقا.
يقول خلادي في اتصال مع “الشروق”: “لقد قدم التلفزيون شريطا عن الراحل امتد على مدار 26 دقيقة يوم وفاتهّ في القناة الأرضية، وفي القناة الثالثة الناطقة بالعربية، كما قمنا بترجمة الشريط إلى اللغة الفرنسية ليبث في القناة الثانية”، وأضاف: “حرصنا من خلال مرافقتنا للحدث أيضا، على عرض كافة الجوانب التي نعتقد أنها مهمة في علاقة الرجل ونضاله بالجزائر، كإبراز طرد الوفد الممثل لحكومة الميز العنصري لجنوب إفريقيا، وهو يخرج في العام 1974 من جلسة لمجلس الأمن الدولي، بعد الطلب الذي تقدم به الرئيس بوتفليقة، الذي كان يومها رئيسا للوفد الجزائري”، علما أن الجزائر كانت رئيسة تلك الدورة.