الرأي

لماذا نخشى انهيار أسعار البترول ولا نخشى انهيار مستوى التعليم؟

محمد سليم قلالة
  • 2992
  • 0

تتدهور أسعار البترول، ثم تنهار، فنُقيم الدنيا ولا نُقعِدها.. نُعيد رسم السياسات، ونَخاف على مستقبلنا، ونَبحث عن البدائل في كافة المجالات… ويتدهور مستوى التعليم أمام أعيننا يوما بعد يوم ولا نُلقي لذلك بالا، في جهل تام أن مجتمعًا غير متعلم أو يحكمه غير متعلمين سيُبدِّد أي ثروة لديه وإن بلغت ألف مليار دولار، وإن حقَّقها بسعر برميلٍ للنفط يزيد عن مائتي دولار.

لعل هذا ما يُلخِّص حالنا اليوم، خوفنا كله مُرَكَّزٌ على بقاء أسعار النفط منهارة، وأملنا كله  في أن ترتفع ذات يوم، في غفلة  تامة عن حقيقة تكاد تكون ساطعة كالشمس تقول: إننا لن نستطيع تحقيق أي قفزة نوعية في أي مجال من المجالات إذا لم نتمكن من الرفع من مستوى التعليم وفي كافة المستويات، ومن جعله القطاع الاستراتيجي الأول في البلاد، سواء ارتفعت أسعار البترول أو انهارت. 

هذا ما ينبغي أن ننتبه إليه.

لماذا نطرح سؤال المستقبل باستمرار انطلاقا من الحديث فقط عن حلّ مشكلة الموارد المالية وتأمين تلبية حاجاتنا المادية المختلفة من خلال بيع برميل البترول بأسعار مرتفعة، بدل أن ن نطرحه انطلاقا من حاجتنا إلى قاعدة تنمية صُلبة أساسها تعليم متطوّر يمكنه أن يُنتج الثروة ويُغنينا عن سياسة الاستجداء ببيع المحروقات؟

هل بإمكاننا بحق بناء اقتصاد قوي بمخرجاتٍ تعليمية ضعيفة؟ هل يُمكن أن يكون لدينا استثمارٌ حقيقي بمجتمع مريض عقليا فجسديا فنفسيا؟ وما الفائدة من الاستثمار والرفاه إذا كان المجتمع غير سليم العقل والجسم؟

ينبغي طرحُ هذا السؤال بإلحاح حتى لا نُوهم أنفسنا بالسير في طريق التقدم. لا يُمكن أن يَحدث أي تقدم في بلادنا مهما سَخَّرنا من إمكانيات وأنفقنا من أموال إذا لم تَتم مراجعة كل السياسة التعليمية القائمة. التعليم هو الاستثمار الحقيقي الذي يُمكننا من تثمين الموارد المتاحة ومن ترشيد  كل النشاطات المُنتِجة وجميع أشكال الاستهلاك. والصحة العقلية هي أساس الصحة الجسدية والنفسية التي تُمكِّننا من الرفع من المردودية وإيجاد الفرد القادر على العطاء في كافة المستويات.

لا يُمكن أن يَحدث أي تقدم في بلادنا مهما سَخَّرنا من إمكانيات وأنفقنا من أموال إذا لم تَتم مراجعة كل السياسة التعليمية القائمة. التعليم هو الاستثمار الحقيقي الذي يُمكّننا من تثمين الموارد المتاحة ومن ترشيد  كل النشاطات المُنتِجة وجميع أشكال الاستهلاك.

هل يمكننا أن نتطوّر في ظلّ منظومةٍ تعليمية كالتي نراها اليوم من المستويات الأولى ما قبل المدرسي إلى أعلى مستويات البحث العلمي؟ هل يُمكن أن نتطور ونحن لا نُعطي القيمة الحقيقية لمستوى المدرسة والجامعة ولا نعتبرهما المحرك الأساس للتنمية والهاجس الأول الذي يؤرقنا وضعه، بل ننظر لهما  كمُكَمِّل للنشاطات الأخرى ويخضعان لمنظومة اقتصادية وسياسية نعتبرها خطأ، هي العمود الفقري لبناء البلاد؟

تكفي نظرة لواقع التعليم عندنا لنكتشف هذه الحقيقة التي نعيشها كل يوم ولا نولي لها الأهمية اللازمة. ويكفي أن نسأل أنفسنا: لماذا نخشى تدهور أسعار النفط ولا نخشى تدهور قيمة التعليم وصحة أبنائنا العقلية والنفسية والجسدية؟ أيهما أخطر على مستقبلنا المباشر والمتوسط والبعيد؟ أم أننا لا نفكر إلا من منظور العوامل المادية في التنمية ونعتقد أن امتلاكنا لملايير الدولارات سيَصنع منا متقدمين؟

لن يحدث ذلك حتى وإن ارتفعت أسعار البترول إلى 200 دولار للبرميل، سنُنفقها جميعا ونُبذِّرها بكل الطرق إذا لم نستثمرها حيث ينبغي أن تُستثمر. هل يوجد تفسيرٌ أكثر إقناعا من كوننا أنفقنا أكثر من 800 مليار دولار دون تحقيق الإقلاع الاقتصادي من كون القائمين عليه لم يكونوا بمستوى الكفاءة العلمية والصحة الجسدية والنفسية القادرتين على جعل مخرجات التعليم  تتعامل مع هذه الأموال بالفعالية اللازمة؟ هل تَمكّنا من جعل التعليم في أطواره الأولى مُنتِجا للأفراد القادرين على خلق الثروة، وفي طور التكوين المهني قادرا على تخريج الكفاءات اللازمة للاقتصاد الوطني، وفي طوره الجامعي قادرا على مرافقة مشاريعنا الكبرى بالبحث العلمي بما يُغْنينا عن الخبرة الأجنبية؟

ما الذي مَنع من أن يكون لنا تعليمٌ عصري متفتِّح على اللغات الحيّة قادرٌ على الارتباط بالواقع؟ ما الذي جعل مستوى اللغات يتدهور لدينا إلى أدنى حد، سواء أكانت وطنية أم أجنبية؟ ما الذي جعل البحث العلمي لا يواكب التنمية؟ هل افتقارنا للأموال؟ هل كان سعر البترول دون المستوى؟ أم أن القائمين على السياسات العامة لم يَتمكَّنوا من تحديد الأولويات ولم يصوغوا رؤية مستقبلية لقطاع التعليم بإمكانها أن تجد الصيغة الملائمة التي تجعل منه قطاعا استراتيجيا من الدرجة الأولى؟

والأمر هنا لا يتعلق برفع أجور الأساتذة بعد كل إضراب، وإن كانت الأجور ذات أهمية، ولا بتوفير الأقسام الملائِمة، والمرافقة الإدارية الفعالية، والبرامج الجديدة، وإن كانت كل هذه العناصر مهمة، ولكن بتحديد موقع التعليم من شبكة بناء الدولة وموقع الكفاءات المتعلمة من قيادتها.

مَن ينبغي أن يكون في مركز كافة النشاطات، وفي مركز القيادة واتخاذ القرار؟ هل الكفاءات أم العكس؟ هل نُبقي التعليم قطاعاً كباقي القطاعات بمشكلاته وسلبياته التي لا تنتهي، من غير أن نخاف، ونبقى نقتات على جهد كفاءات قليلة تمكَّنت من الانفلات من قبضة واقعها المتدهور، غير قادرة على مواجهة جيش الرداءة الكبير الذي استطاع أن يَسْتأثر بمراكز القرار ويُصبِح هو الآمر الناهي المتحكِّم والقادر وحده على تحديد ما يفيد البلاد وما لا يفيدها وعلى أعلى المستويات؟

أليست هذه هي مخرجات تهميش التعليم بالأساس، في نموذج مَن يُمثِّل الشعب، ومَن يسن قوانينه، ومن يُشرف على تسيير إدارته، ومن يتولى مسؤولية صرف ماله العام؟

ألم نعد نرى الكفاءة اليوم أقلية يُحكم بها ولا تَحكُم ولا تُسيّر ولا تتخذ القرارات؟ أليس هذا من مخرجات تهميش التعليم؟

 لماذا نخشى تدهور أسعار النفط ولا نخشى تدهور قيمة التعليم وصحة أبنائنا العقلية والنفسية والجسدية؟ أيهما أخطر على مستقبلنا المباشر والمتوسط والبعيد؟ أم أننا لا نفكر إلا من منظور العوامل المادية في التنمية ونعتقد أن امتلاكنا لملايير الدولارات سيَصنع منا متقدّمين؟

 صحيح، في كثير من المستويات هناك مَن يدري أنه ينبغي علينا دقّ ناقوس الخطر بشأن ما يتعلق بمستوى التعليم الذي يتلقاه أبناؤُنا، وبالوجهة التي ما فتئ يأخذها، وبالآثار السلبية التي يُمكن أن يتركها على كافة المستويات، في قطاعي الإنتاج والخدمات. ولكن هل يكفي ذلك؟

هل يكفي أن نقول إننا لا نريد أن يتخرّج أبناؤنا في الجامعات وهم لا يُحسنون أي لغة إلا من تدارك الأمر بنفسه، ولا نريد من أساتذتنا أن يبقى شغلهم الشاغل هو الأجر والسكن، ولا أن نعدّ الناجحين بمئات الآلاف (من حيث العدد) والمتفوقين من بينهم عشرات فقط، فما بالك بالصالحين؟ (من حيث النوع). هل يكفي أن نصدح بالقول: نريد أن يعم التفوّق والصلاح تعليمنا في كافة المستويات، وأن يعم التفوّق والصلاح غالبية أبنائنا وبناتنا، لكي يصلح مجتمعهم، ويتمكنوا من إرساء القاعدة الصلبة للتنمية الحقيقية، بلا خوف من ارتفاع أو نزول برميل البترول، لأنهم سيمتلكون أغلى من المال، المعرفة التي تُنتجه وتتحكم فيه كما هو شأن الدول الصاعدة في العالم؟

هل يكفي هذا؟

 هل يكفي أن نكتب أننا نريد أن نتحوّل إلى مجتمع يخاف من انهيار المدرسة أكثر مما يخاف من انهيار أسعار البترول، إلى دولة تُقيم الدنيا ولا تقعدها إذا ما انخفض مستوى تعليم أبنائها، وهُمّش المعلمُ فيها، لا دولة  تنام ملء جفنيها ومدارسها وجامعتها بلا مضمون، ولا تصحو إلا إذا انخفضت مداخيلها الريعية، وباتت خزائنها على وشك النفاد مما فيها من عملات؟

مقالات ذات صلة