الرأي

لماذا يحلم الناس بأمريكا؟

محمد سليم قلالة
  • 5117
  • 5

لم يعتبر القاضي الفدرالي الأمريكي، هكذا ومن تلقاء نفسه، قرار الرئيس دونالد ترامب منعَ دخول رعايا 07 دول ذات غالبية مسلمة مخالفا للدستور لو لم يُخطِره بذلك وزيرُ العدل لولاية واشنطن التي ينتمي إليها، وهذا الأخير لم يكن ليُخطِر القاضي الفدرالي لو لم يتلقّ رسالة من أكثر من 50 جامعة أمريكية تحتجّ على هذا المرسوم الرئاسي لأنه يوجد أغلبية من علمائها وطلبتها وعائلاتهم ممن سيُمنَعون من الالتحاق بها (نصف عمداء جامعة هارفارد أكبر الجامعات الأمريكية أجانب)! بمعنى أن تجميد القرار الرئاسي الأمريكي هو في آخر المطاف استجابة لمصالح أمريكا، ومصالح أمريكا هي في ألا ينضب مصدرُ قوَّتها الأساس، أي استقطاب العلماء وطلبة العلم من أيِّ جنسيةٍ كانوا، ذلك أن هذه الدولة تعلم أن أساس قوتها هو الجامعات، وأساس بقائها متفوقة على العالم هو أنها وِجهة كافة العلماء وطلبة العلم، ولا يمكنها أن تضع حدا لسرِّ تفوُّقها القائم على استقطاب الأكفإ فالأكفإ بغض النظر عن جنسيته أو دينه ولونه، وهذا هو الذي برَّر قرار القاضي الفدرالي وسيبرِّره في المستقبل لو تكرر الأمر بنفس الطريقة.

بعدها تأتي مسائل أخرى مُدعِّمة لهذا التوجُّه، كون هذا القاضي لا يخشى أن يُعزَل من منصبه من قبل الرئيس الذي يُعيِّن القضاة لأنه يعرف أن القانون يحميه، وأنه لن يغادر مقعده إلا إذا أراد أو تقاعد أو بلغ سن الثمانين.. ذلك ما يقتضيه القانون الأمريكي والعرف، تكريسا لاستقلالية القضاء وحتى لا يبقى هؤلاء لعبة بين الرؤساء.. فطوال عمر تاريخ القضاء الأمريكي الذي بدأ منذ سنة 1789 لم تتم إقالة إلا 13 قاضيا ولأسبابٍ معروفة لها علاقة بتخلٍّ واضح عن الالتزام بأدنى الشروط التي ينبغي أن تتوفر في من يتولى مثل هذه المهمة.

بهذه الكيفية استطاعت الدولة الأمريكية الفدرالية أن تحمي نظامها السياسي، الذي يشتغل كآلة تتحرك من تلقاء نفسها لحماية الكل الذي يخدم سيادة الدولة ويُحافظ على مصالحها.. وهكذا ينال كل ذي حق حقه بلا تَغَوُّلٍ من هذا أو ذاك وبلا رهن لكل الكيان السياسي بشخص أو بأشخاص، ذلك أن المؤسسات هي التي تشتغل وهي التي ترعى مصالح الدولة، والدولة في آخر المطاف هي التي تنتصر وإن خسر بعض الأفراد شيئا من نفوذهم حتى وإن كانوا رؤساء.

لعل في هذا إجابة لكل من تساءل: لِمَ يأمل الناس في الذهاب إلى أمريكا؟ ولمَ يحلمون بالعيش فيها؟

مقالات ذات صلة