الرأي

لم نعد رجالا!

جمال لعلامي
  • 3876
  • 3

الفاتح الناصر صلاح الدين الأيوبي، قالها بالفمّ المليان، بعد تحرير القدس، ردّا على سؤال جنوده: “لن يعودوا ما دمنا رجالا”(..).. لكن الظاهر، أن “الفرنجة” عادوا إلى بيت المقدس وثالث الحرمين، لأن العرب والمسلمين “لم يعودوا رجالا”، وحتى نسوتهم، لم تعد تلك النسوة التي رافقت الفتوحات والغزوات والانتصارات في زمن لا يُريد أن يعود!

صحيح أن بيانات الشجب والاستنكار والتنديد والتأييد، والمسيرات والاعتصامات، هي أضعف الإيمان، لأمة أصبحت تقول ما لا تفعل وتفعل ما لا تقول، لكن هل بهذه الطريقة يتمّ تحرير القدس واسترجاع فلسطين؟ هل بهكذا وسائل تتمّ الإجابة عن السؤال الذي لم نجب عنه: “وين الملايين.. وين الشعب العربي وين”؟

“الغضب الساطع” الذي كبرنا معه، وغرس فينا حبّ القضية والإيمان بها، لم يأت ولا يُريد أن يأتي ولا هم يحزنون، وفي ذلك تأكيد على الأمة لم تعد برجال صلاح الدين، الذي قال “لن يعودوا مادمنا رجالا”!

نم يا صلاح الدين، فقد عادوا “وألـّي كان كان”، واكتفينا نحن في المشرق والمغرب، ومن المتوسط إلى المحيط، بترديد الشعارات وتطويرها إلى أناشيد لتنويم الشعوب وتخديرها بالنصر الوهمي، الذي تحقق قبل قرون، ولا يُريد أن يعود، لأنهم عادوا ولم نعد نحن، رغم أننا أصحاب رائحة “وإن عدتم عدنا” !

لقد عادوا بالقرارات و”الاحتلال”، عادوا بالدبابات والجيوش، عادوا بالحصار والتحالف، فيما عدنا نحن بالأغاني الثورية التي يتجاوز عمرها النصف القرن، فلا نحن جدّدناها، ولا نحن ابتكرنا غيرها، وإن أوجدنا بديلا لها، فكانت بدائل بالرقص و”الشطيح والرديح”، فعادوا ولم نعد!

الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، هو دليل على أنهم “عادوا”، ودليل على أننا لم نعد لأننا “لم نعد رجالا”، وهذه ليست البداية ولا النهاية، فهم ينفذون في مخطط ومشروع، بينما غرقنا نحن العرب والمسلمين في بيانات الجامعة العربية وقمم “بوبريط” التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تسقي العطشى ولا تكسي العراة!

عادوا وسيعودون، طالما استمرّ “التايهوديت” في منافسة اليهود ومرافقتهم في مؤامراتهم ونزعاتهم، ولن يفيد الغضب الساطع ولا البكاء على الأطلال ولا التكشير عن الأنياب، فالقضية التي كانت “قضية حياة أو موت”، أريد لها أن تتحوّل إلى مفاوضات وتنازلات، وبعدها لا عجب في الذلّ والهوان اللذان أصابا الأمة في مقتل، وأصبح الحديث عن “التطبيع” كمن يتحدث عن المبادلات التجارية و”اتفاق” القاتل مع المقتول!

الجزائريون إلى اليوم يردّدون، شعبا وحكومة، “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، لكن ما عسى “رجل وحيد” أن يفعله في مواجهة عدوّ عرمرم يسنده “أشباه الرجال” ممّن باعوا القضية وخانوا صلاح الدين، فعادوا لأن الرجال انقرضوا!

مقالات ذات صلة