-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لنتغيّرْ جميعا (1)

الشروق أونلاين
  • 149
  • 0
لنتغيّرْ جميعا (1)
ح.م

في مقال سابق، ذكرنا بأنّنا معشر الجزائريين ينبغي أن نحسن الظنّ بربّنا الكريم، ونتفاءل خيرا ونعقد الأمل بالله، فيما يتعلّق بواقع بلدنا الذي يمرّ بمخاض عسير، وينبغي ألا نركن إلى المثبّطين، ولا نسمع لوساوس المرجفين، بل ينبغي أن نتعلّق برحمة أرحم الرّاحمين، الذي يرى معاناتنا في بلدنا، بأنّه سيجعل لنا فرجا قريبا، ويقرّ أعيننا بانزياح هذه الغمّة عن وطننا الحبيب، لننعم بعدها بالعدل والأمن والرّخاء.

ها نحن بحمد الله أولا وآخرا نرى أولى تباشير الفجر، ونشهد بقلوبنا وأرواحنا قبل أسماعنا وأبصارنا بداية انزياح الغمّة وانقشاع الظّلمة، ونرى شياطينَ تُغلّ وتساق ذليلة صاغرة إلى المحاكمات، وهي التي ما كان يجرؤ متعوّذ على التعوّذ منها جهرا!.. نعم، نحن في البداية ولا يزال أمامنا مشوار طويل، لكنّ حسن ظنّنا بالله لن ينقطع وأملنا في الخير لن ينقضي بإذن الله.

لا يزال أمامنا مشوار طويل، نستأصل فيه جذور الفساد وبذوره، ونعيد بناء أنفسنا وبناء بلدنا واستعادة مكانة ديننا وهويتنا في هذا البلد الذي ضحّى الأشاوس الأبطال وقدّموا أرواحهم رخيصة لأجل أن ينعم أهله بالأمن والأمان والعدل والكرامة، في ظلّ الإسلام.. قطعنا-بفضل الله- خطوات مهمّة، ولا تزال أمامنا خطوات أخرى مهمّة وحاسمة حتى لا نعود إلى ما كنّا عليه، وحتى لا نكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة.

أهمّ واجب في المرحلة المقبلة هو أن نتنبّه للمتربّصين الذين يريدون لبلدنا أن يظلّ تابعا للاستعمار في ثقافته واقتصاده وسياسته، يتزامن مع واجب آخر لا يقلّ أهمية عن هذا الواجب هو واجب البناء والتغيير والتّشييد والتّعمير.

نحن جميعا نريد أن نطوي صفحة ماضية ونبدأ صفحة جديدة، ونصنع بلدا مختلفا، وكلنا أمل في أنّ هذا ليس مستحيلا. وهو ليس مستحيلا إن شمّرنا عن سواعد الجدّ، واتّخذ كلّ واحد منّا قراره بتغيير حاله إلى الأفضل، ومحاولة تغيير محيطه إلى الأحسن.

في الإمكان أن نلحق بالرّكب

لا بدّ من أن يراجع كلّ واحد منّا نفسه وعاداته وأخلاقه التي كان يتحلّى بها في فترة سابقة سادت فيها الأنانية والأثرة والفوضى والمحاباة واللامبالاة، من القمّة إلى القاعدة، لنبدأ حياة جديدة نبنيها على النّظام والنّظافة والاحترام والعودة إلى مكارم الأخلاق.. ما الذي يفرق بيننا وبين شعوب أخرى في هذا العالم، مثل شعب اليابان وشعوب جنوب شرق آسيا التي تتحلّى بالمسؤولية والنّظام؟ لا فرق، هم بشر ونحن بشر، وفي إمكاننا أن نكون مثلهم وأفضل، خاصّة أنّنا شعب مسلم نجد في ديننا ما يحدونا لنكون في قمّة الإنسانية ونضرب أروع الأمثلة في التحلّي بمكارم الأخلاق، كما ضربنا أروع الأمثلة في أسابيع ماضية في تحضّرنا.

لقد رأينا أنّ التغيير ممكن وفي ظرف قياسيّ بإذن الله.. منذ بداية الحراك المبارك، وما أن بدأ بصيص الأمل يلوح في الأفق حتى رأينا وسمعنا عن مواقف تدلّ على أنّ هذا الشّعب المسلم يحبّ الخير والصّلاح والإصلاح متى ما وجد من يحدوه إلى ذلك. ما رأيناه مما أظهره شباب هذا البلد في الأسابيع الماضية، يدلّ على أنّ التّغيير ممكن، عندما يحضر الأمل، رأينا شبابا متحضّرا يحافظ على ممتلكاته العامّة، ويزجر كلّ من يريد المساس بها.. رأينا شبابا ينظّفون الشّوارع ويدهنون الأرصفة، ويرسمون من أروع اللّوحات في الشّوارع والطّرقات والعمارات. رأينا شبابا يتعاونون على الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقدّمون العون… هذا الذي رأيناه في بعض الأماكن يمكن أن يتحوّل إلى واقع للمجتمع كلّه إن نحن اتّخذنا القرار الحاسم، ورفعنا شعارا مُهما إلى جانب شعاراتنا التي نرفعها كلّ أسبوع. هذا الشّعار هو شعار “لنتغيّر جميعا”.

أماناتنا التي ينبغي أن نحفظها

آن الأوان لأن نراجع أنفسنا وواقعنا وأحوالنا مع الأمانات التي تحمّلناها؛ أمانة الدّين، وأمانة الأبناء، وأمانة الوظيفة والمنصب.. أبناؤنا أمانة أهملها كثير منّا في سنوات وعقود مضت، وربّنا جلّ وعلا يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون))، وحبيبنا –صلّى الله عليه وسلّم- يقول: “والرَّجُلَ رَاعٍ في بَيْتِهِ، ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِه”.آن الأوان لأن نصحّح الوضع، ونقبل على أبنائنا بوجوه مشرقة مبتسمة وبكلمات حانية وباهتمام لا ينقطع باللّيل والنّهار، نعلّمهم الجدّ والمثابرة والالتزام، والتّقليل من الهزل واللّهو.. نعلّم أبناءنا ونغرس في عقولهم وأنفسهم أنّه يمكن الجمع بين الاستقامة والصّلاح وبين التفوّق والنّجاح، ونلفت انتباههم إلى أنّ جلّ المتميّزين والمتفوّقين في أهمّ الامتحانات هم من الملتزمين المحافظين على صلواتهم والمجتهدين في حفظ كتاب ربّهم.. لقد وسوس شياطين الإنس والجنّ لأبنائنا في وقت مضى بأنّ سعي الدّنيا وسعي الآخرة لا يجتمعان، وأنّ من أراد الدّنيا فعليه أن يترك الدّين، ومن أراد الدّين فليتوقّع خسارة الدّنيا.. علينا أن نصحّح لهم هذا المفهوم الخاطئ، ونضرب لهم النّماذج من واقع وحال شبابنا المتفوّقين في امتحان البكالوريا في سنوات مضت، ونعلّمهم قبل هذا قول الله تعالى: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)).

لنحفظ أمانة المنصب والوظيفة

آن الأوان لمراجعة واقعنا وأحوالنا مع أمانة المنصب والوظيفة. آن الأوان لأن نتوقّف جميعا عن التسيّب في أعمالنا والتسيّب في أماكن عملنا، ونقرع أنفسنا وقلوبنا بقول ربّنا جلّ وعلا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم)). إذا أردنا أن نفلح في الدّنيا والآخرة ويبارك الله في أعمارنا وأبنائنا، إذا أردنا أن نبني بلدا تشرئبّ إليه الأعناق، فلنبدأ صفحة جديدة، نطلّق فيها الكسل والتسيّب في أعمالنا ووظائفنا.. حرام أن يسرق الموظّف من ساعات العمل، وحرام أن يستنكف عن خدمة إخوانه ويتحايل ليتملّص من عمله إمّا بالعطل المرضية أو بالأعذار الواهية، وحرام أن يتلمّظ الموظّف ويتكبّر ويقابل إخوانه بوجه عبوس كالح وبكلمات قاسية.. حرام وعيب أن يستكبر الطّبيب أو الممرّض عن خدمة المرضى والنّظر في أحوالهم ومعاناتهم.. ألا فليتذكّر كلّ واحد منّا دائما وأبدا دعاء النبيّ عليه الصّلاة والسّلام: “اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ به” (رواه مسلم)، والولاية في الحديث تشمل كلّ ولاية، من أصغر منصب إلى أكبره.

لنتعلم احترام الوقت والعهود والمواثيق

آن الأوان لأن نبدأ صفحة جديدة في احترام العهود والوعود والمواعيد.. منكر عظيم هذا الذي نعيشه في واقعنا، حيث أصبح الجزائريّ الذي يحترم مواعيده غريبا بين النّاس، ينظر إليه على أنّه حالة شاذّة. القطارات تتأخّر والحافلات تتأخّر والموظّفون يتأخّرون في الالتحاق بأماكن عملهم، وهكذا.. فهل نسينا أنّنا مسلمون بين يدينا كتاب ربّنا يقول: ((وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً))؟ حرام وعيب أن تكون الشّعوب غير المسلمة من حولنا أكثر احتراما للوقت واحتراما للعهود والمواعيد، بينما يفترض أنّنا أولى بهذه الأخلاق. هل تعلم أخي الجزائريّ أنّ معدل تأخر القطارات في اليابان خلال العام هو 7 ثوان فقط؟ بل الأعجب من هذا أنّ مدير محطة قطار يابانية انتحر بسبب أن أحد القطارات في شركته تأخر لبضع دقائق عن الموعد فلم يحتمل الضغط عليه في الصحف والأخبار.. قارنوا هذه الواقعة بالواقع عندنا والله المستعان. إنّي لا أعرض هذه المقارنة لأجل أن نأخذها معلومات نردّدها في مجالسنا، ولكن لأجل أن يبدأ كلّ واحد منّا صفحة جديدة في حياته، عنوانها حديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: “آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”.

يتبع بإذن الله…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!