لهذا السبب تحولت عمارات مهجورة إلى “قصور للشعب” في عز الحراك
يواصل الجزائريون إبداعاتهم تزامنا مع تواصل الحراك الشعبي منذ يوم 22 فيفري المنصرم، حيث لا يتوانون من جمعة إلى أخرى في إبداع حلقات جديدة من التميز لإيصال رسائلهم المطالبة بالتغيير والمحاسبة، من ذلك لجوئهم إلى عمارات مهجورة أو غير منتهية الأشغال تعد فضاء للتجمع وتعليق الشعارات والرايات الكبيرة، وسرعان ما اصطلح عليها بـ”قصر الشعب”، على غرار ما حصل في العاصمة، ويحصل في مدن البرج وسعيدة والمسيلة وتبسة وغيرها.
إذا كانت المسيرات الشعبية قد حافظت على بريقها وسلميتها، في ظل لجوء الجزائريين إلى مبدأ الهدوء والسلمية، فإن ملكة الإبداع كانت مصاحبة للحراك الشعبي على مدار الأسابيع الماضية، سواء من خلال نوعية الشعارات المعروضة أو المطالب المرفوعة، وكذا المواقع التي خطفت الأضواء، من ذلك اللجوء إلى عمارات غير منتهية الأشغال تحول إلى ما يصطلح عليها بـ”قصر الشعب”، وهذا في عديد الولايات، بدليل أن هذا الأمر لم يقتصر على “قصر الشعب” بالجزائر العاصمة، بل تعدى إلى قصر الشعب ببرج بوعريريج الذي أخذ نصيبه من الشهرة، والكلام ينطبق على قصور أخرى تقع في قلب المدن الجزائرية والتي كانت موقعا لصعود الشعب أثناء الحراك، مثلما كانت واجها لتعليق أبرز الشعارات التي تنتقد النظام وزمرة العاصمة، والداعية في الوقت نفسه إلى ضرورة التغيير والتطهير، على غرار ما عرفه القصر الجديد بنواحي تبسة، وقصر الشعب بالمسيلة، وقصر آخر في سعيدة، فيما يعكف سكان باتنة على تنظيم الحراك بجانب عمارة المستقبل.
قصور تصنع الحدث
يجمع كثير من المتتبعين على أن قصر الشعب الواقع في مدينة برج بوعريريج قد خطف الأضواء في الجمعات الأخيرة، وهذا قياسا بنوعية الشعارات المرفوعة وطريقة استقطابه للمتظاهرين لسكان ولاية البرج والزائرين لها، حيث إن في كل جمعة يكون المجال متاحا للوقوف على “تيفو” جديد يتضمن رسوما كاريكاتورية بطريقة هزلية، ويتضمن في الوقت نفسه مطالب ورسائل جادة، موجهة أساسا إلى هرم السلطة، يحدث كل هذا وسط حضور قياسي لمواكبي الحراك الشعبي الذين يرفعون أصواتهم المنادية بالتغيير الجاد والجذري، وهذا موازاة مع التنظيم المحكم لتفادي كل أشكال الاختراق لأجواء الحراك، وقد كان “التيفو” الذي عرفته الجمعة العاشرة حريصا على تصور المشهد الراهن ومطعما بنظرة استشرافية وفق أفق التخيل، وعلى نفس الإيقاع سارت مدن أخرى في إيصال رسائل رمزية وأخرى صريحة، عبر عمارات مهجورة أو غير منتهية الأشغال لكنها أصبحت تتمتع بجماليات أضفاها الحراك الشعبي، على غرار ما حدث الجمعة الفارط في كل من سعيدة والمسيلة وتبسة وعنابة وولايات أخرى.
رأي الأكاديميين
يؤكد الدكتور نور الصباح عكنوش من قسم العلوم السياسية بجامعة بسكرة أن بن خلدون ربط كثيرا بين العمران والاجتماع فأنتج لنا علما في هذا الإطار، مضيفا أن العمران تتجسد فيه طباع الناس وسلوكياتهم المجتمعية والرمزية والسياسية، ولهذا نربط حسب محدثنا بين العمران كفن والسياسة أيضا فن، مع ملاحظة أن البنايات التي يلجأ لها الحراك للتعبير عن ذاته هي بنايات فارغة وعالية وغير منتهية، وكأن الحراك يريد أن يسكنها، فهو يتحصن فيها طلبا للأمان ولكي يبدو حسب الدكتور عكنوش أنه أقوى وأعلى بمنظور علم النفس السياسي، وفي السياق ذاته، يرى الأستاذ طارق رقيق أن الفضاءات العمومية في منظور علم الاجتماع السياسي هو مجال لنقد السلوكيات والمعتقدات اللامنطقية التي تأسست في “الفضاء الخاص” فيعاد تشكيلها باستعمال المنطق والعقل، كما أن الاتجاهات السياسية الفلسفية تعتبر المجال العام ساحة للتحول من المجتمعات الشمولية إلى المجتمعات الديموقراطية، ومن هذا المنطلق اتخذ الحراك في الجزائر من بعض الأماكن ذات الرمزية فضاء للتجمع وإيصال الرأي، ولعل هذه الفضاءات حسب محدثنا في العاصمة والبرج والمسيلة وغيرها من الولايات تشترك في خصائص تؤهلها لتكون حاضنة للحراك في المخيلة الاجتماعية، أهمها أن يكون المكان قديما ومعروفا لدى كل الناس وله خلفياته التاريخية بما يساعد على تحقيق “الضبط الاجتماعي” وتنمية حس الانتماء للوطن، ولا يكون ذا رمزية، ولهذا لم يتجه الحراك في نظر الأستاذ طارق رقيق نحو مقام الشهيد مثلا، فالشارع حين يسعى للسيطرة على الفضاء العام وفق شروط معينة يتمكن من وعاء مهم لتمرير قراره، وهذا ما يخلده تاريخ الحراك الشعبي في العالم، مضيفا أن له تأصيلا شرعيا كذلك في قوله تعالى في سورة الفتح: “لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة” فذكر مكان البيعة هنا تعزيزا للإجماع على الرأي حسب طارق رقيق دائما.