لهذا السبب رفض “علي مات واقف” الجنسية الفرنسية وقاطع التلفزيون
من منا لا يذكر فيلم “الأفيون والعصا”، ومن منا لا يستحضر مشهد الصمود وصرخة “علي موت واقف”.. سيد علي كويرات الممثل الظاهرة أو أسد الشاشة الجزائرية الذي أبهر يوسف شاهين وتعلقت به ماجدة الرومي.. محبوب الجماهير ونجم حي باب الوادي الشعبي.. ظل رمزا للشجاعة والبساطة ورحل قبل أن تتحقق أمنية إنشاء مدرسة.. التقت الشروق نجلته فاطمة الزهراء لتسليط الضوء على كويرات الأب والإنسان والفنان.
صحته تدهورت بعد وفا ة زوجته
تقول ابنته فاطمة الزهراء أن والدها الفنان سيد علي كويرات تأثر كثيرا برحيل زوجته منذ 10 سنوات “والدي رحمه الله فقد طعم الحياة بعد وفاة أمي وبدأ يعاني من مشاكل صحية. ولكنه كان يقاوم ويستمد شجاعته من أبنائه السبعة (عادل وصافية وعبد الراقي ولامية وفاطمة الزهراء وهشام وريم).
وتؤكد أن السينما والمسرح كانا كل حياته ولكنه لم يشجع أي من أبنائه على ولوج عالم التمثيل “أبي كان ينصحنا بالدراسة وكان حريصا جدا على أن نواصل تعليمنا وكان يبذل جهده ليوفر لنا كل ما نحتاجه لتحصيل معدلات جيدة لدرجة انه كان يستقدم الأساتذة إلى البيت لتعليمنا. والحمد لله تفوقنا جميعا وواصلنا تعليمنا وكان جد فخور بنا”.
كان يرفض “الخطابة” ويصر على استقلالية بناته
وتواصل ابنته بنبرة حزينة “أبي كان حريص جدا على أن تتعلم بناته وكان رافضا لفكرة الزواج قبل إتمام التعليم رفضا قاطعا. وأتذكر انه عندما تمت خطبتي أنا وأختي في فترة متقاربة رفض وأصر على أن نكمل الدراسة أولا، ثم نعمل بعد أن تصبح لدينا حياة مستقلة ومستقرة نفكر بالزواج-فحسبه- المرأة يجب أن تكون مستقلة قبل الزواج حتى لا يطالها ظلم أو حقرة من زوجها.. كان يحترم المرأة كثيرا ويؤمن بمكانتها ودورها في المجتمع”. وأضافت في نفس السياق “أحبنا جميعا ولم يفرق بيننا أبدا أو يفضل أحدنا على الآخر.. ربما لأني أقمت معه بعد زواجي وكنت قريبة دائما منه أسهر على طلباته، كان شديد الارتباط بي وكانت علاقتي به مميزة جدا، لأنه تعود على وجودي وتحضير حاجياته من ملابس وأكل”.
طفولة قاسية.. عائلة فقيرة هجرها الوالد

عاش سيد علي كويرات طفولة قاسية وتعيسة جدا بعد أن ترك والده البيت وغادر إلى وجهة غير معلومة، تاركا وراءه أبناءه الثلاثة وزوجته بدون معيل. تقول ابنته فاطمة “والدي عاش طفولة حزينة جدا، لأنه نشأ في عائلة فقيرة بدون معيل بعد مغادرة الوالد. وعليه كان يفعل المستحيل حتى تكون طفولتنا سعيدة ومثالية ولا ينقصها شيء. وفر لنا كل الإمكانيات وكان دائم الحرص على أن يمدنا بالحنان الأسري الذي حرم منه. الكلمات تعجز عن وصف حنانه وتواضعه سواء مع عائلته الصغيرة أو مع أقربائه أو حتى مع الغرباء. فكان دائم التأثر بحال الآخرين ويحمل همومهم ويفكر في مساعدتهم بشتى الطرق وعندما يعجز عن المساعدة يتأثر ويتحسر”.
يصوم عن الأكل في الفنادق والولائم بسبب أبنائه
تقول ابنته أن كويرات كان يرفض الأكل عندما يكون في جولات خارج الوطن “عندما كان يذهب في جولات فنية أو من اجل التصوير داخل أو خارج الوطن.. يرفض الأكل في الفنادق الفخمة أو عندما تنظم الولائم ويظل يفكر في عائلته. كان يرفض الأكل من اجل أبنائه، لأنه يظل يتساءل عما أكله أبناؤه في غيابه”.
ومن شدة ارتباطه بعائلته، كان يحاول أن ترافقه في جولاته “أخذنا معه للتصوير في بوسعادة وفي فرنسا أيضا”.
مصطفى كاتب ..”شقيق” سيد علي كويرات
تؤكد فاطمة الزهراء كويرات أن الفنان مصطفى كاتب كان الصديق المقرب الوحيد لوالدها “كنا نناديه – بابا – لأنه كان أبا ثانيا لنا وكان يسهر على قضاء حاجياتنا عندما يغادر والدي العاصمة. كنا نسكن في الأبيار وقتها وكان أبي يوصيه بنا حتى عودته. كان بمثابة الشقيق لوالدي وليس صديقا فقط. وكان والدي ينزعج كثيرا عندما يُكرم آخرون ويتجاهل المسؤولون دور مصطفى كاتب في المسرح الجزائري“.
علاقته بنورية وفتيحة بربار وباب الوادي
أشارت ابنة كويرات – رحمه الله – إلى أن والدها كان يتعامل مع الوسط الفني في حدود “لم يكن له أصدقاء مقربون جدا ولا أعداء. فبالنسبة له العلاقة يجب أن تبقى مهنية أحسن. ولكن كانت له صداقات محدودة مع الراحل مصطفى كاتب والفنانة الراحلة فتيحة بربار وزوجها إبراهيم وكذلك الفنانة نورية وزوجها الفنان قزدرلي. كان والدي محبوبا جدا من الجميع وكان متعلقا جدا بأبناء حيه “كليما دو فرانس” وباب الوادي ومن هناك كان يقتني حاجيات المنزل ويغتنم الفرصة للحديث إلى أبناء الحي الذين يحبونه ويحترمونه كثيرا“.
“علي موت واقف”.. دور العمر
أكدت ابنته أن فيلم “الأفيون والعصا” لأحمد راشدي كان فيلم العمر بالنسبة لكويرات وظل مفتخرا بالدور الذي أداه “علي موت واقف” إلى آخر عمره “والدي عندما يعيد مشاهدة الفيلم .. يقول لي “هل رأيت كم كان المشهد صادقا عندما رميت بالرصاص وكأنها الحقيقة فعلا. كان معتزا بالدور الذي صنع شعبية كويرات في كل مكان ولا تزال الأجيال تذكر هذا الفيلم التاريخي“.
ابن الشعب .. البساطة مذهبه الذي لم يغيره
أحب كويرات بساطة الأحياء الشعبية ورغم انتقاله للعيش إلى إحياء راقية مع عائلته إلا انه ظل مرتبطا بأبناء حيه القديم وظل يزورهم كلما سنحت له الفرصة “كان بيتوتيا ولا يحب السهرات ولا يحضر إلا نادرا في الحفلات التي تتم دعوته إليها. بعد إصابة في الفم سنة 2008 اقترح عليه دور .. ورغم المرض كابر وتمسك بأداء الدور لأنه يحب مهنته كثيرا بل وتساهل مع المخرج الذي كان يتخلف أحيانا عن المواعيد.عندما كنا ننصحه بشراء ملابس “ماركة” أو سيارة فاخرة يرفض مباشرة وبدون تفكير مبررا ذلك بكرهه للتفاخر والتعالي على الآخرين“.
حاول فتح مسرح ومدرسة فأحبطوه
وكشفت فاطمة الزهراء كويرات عن حالة إحباط أصيب بها والدها عندما طرق كل الأبواب لفتح مسرح ومدرسة للتمثيل في الجزائر ولكن ضاع حلمه بين مكاتب المسؤولين وتقول في هذا الموضوع “حصل من خلال جمعيته على قاعة سينما بحي “ميسونيي” ولكنهم لم يجهزوها ولم تهيأ. وأعطوه قاعة أخرى في بولوغين أرادها مسرحا للأطفال. وحدث نفس الشيء .. للأسف أحبط ويئس وظل متعلقا بهذا الحلم الذي لم ير النور إلى يومنا هذا. واقترح على زوجي فتح شركة إنتاج وهو ما حصل فعلا ولكن المشاريع غائبة” .
آخر مسلسل وفيلم شارك فيهما لم يريا النور
وأضافت “لا يزال آخر فيلم سينمائي طويل مثل فيه والدي لم ير النور بعد، ظهوره في الفيلم كان بسيطا وكذا في المسلسل الذي جسد فيه دور رجل مسرح يقدم خبرته للشباب. فيما كان سيظهر في دور اكبر كتب ليؤديه هو ويتمثل في دور جد يربي حفيده المعاق خلال الحرب التحريرية “.
الطيب زيتوني الوزير الوحيد الذي زاره في المستشفى
أكدت ابنته أن وزير المجاهدين الطيب زيتوني كان الوزير الوحيد الذي زاره في مستشفى عين النعجة العسكري. للأسف لم نتوقع أن يغادرنا بعد دخوله المستشفى وتعلقنا بأمل الشفاء خاصة بعد نجاح العملية الجراحية في مستشفى وهران. شاءت الأقدار أن يرحل في الخامس افريل 2015 .. ولكل اجل كتاب“.
هكذا نجا أبي من طعنة صباح الصغيرة
الحديث عن القامة الفنية كويرات، أعاد ابنته إلى ذكريات الطفولة، وروت بتأثر شديد كيف أنها وفي أحد المشاهد وجهت الفنانة الراحلة صباح الصغيرة طعنة مقص إلى والدها، فظلت تبكي وتصر على رؤية أبيها رغم محاولات إقناعها بأنه مجرد تمثيل فقط وليس حقيقة. ما اضطر مصطفى كاتب إلى الاتصال بكويرات الذي قصد المنزل فهدأت فاطمة وصدقت أنه حي يرزق.
خليدة تومي كانت تقبل رأس “كويرات”
أثنت، فاطمة الزهراء كويرات، على الجهود التي بذلتها وزيرة الثقافة السابقة، خليدة تومي، من أجل أن يسترد كويرات تكريمه الذي حاول البعض إبعاده عنه. ويتعلق الأمر بتكريمه في مهرجان أميان. “استرجعت تومي الجائزة ونظمت حفلا وسلمتها له يدا بيد، كانت تحبه وتحترمه كثيرا وعندما تلتقيه تقبل رأسه احتراما له. قصد والدي وزوجي مكتبها فطلب منهما الانتظار بقاعة الاستقبال، وبعد إعلامها بخبر وصول كويرات، انزعجت وطلبت منه الدخول مباشرة إلى المكتب دون المرور بقاعة الاستقبال، مرددة “الوزارة بيتك“.
قاطع التلفزيون وظل يردد “راح الفن وابقى العفن”
أكدت ابنته أن كويرات قاطع الإنتاج الوطني وأصبح لا يشاهده على التلفزيون “كان مستاء جدا من الوضع الذي آل إليه مستوى المسرح والسينما في الجزائر، كان يردد ـ راح الفن وابقى العفن- وكان يقول دائما “الفن ضاع عندما حوله من هب ودب إلى تجارة وربح “.
وأضافت “والدي كان محبا للمسرح الذي للأسف توقف عن ممارسته منذ آخر مسرحية “إبراهيم بالبوة” رفقة بهية راشدي وآمال حيمر ويحيى بن مبروك”. وكان يريد العودة إلى الركح قبيل مرضه ولكن للأسف لم يقدر على ذلك لأنه لم يكن يقوى على الوقوف.
كان يحب سيناترا وفريد الأطرش وفيروز
يومياته كانت عادية جدا، يحب الهدوء ومشاهدة البحر والاستماع إلى أغاني الفن الجميل “فريد الأطرش وفيروز ووديع الصافي وعبد الحليم حافظ وسيناترا”. كان شديد التعلق بهؤلاء الفنانين وكان عاشقا للطرب الأصيل العربي والغربي.
أبهر يوسف شاهين ونادته ماجدة الرومي “بابا”
كان الفنان الراحل، سيد علي كويرات، شخصية اجتماعية وبسيطة وكان محط إعجاب واحترام زملائه في الوسط الفني الجزائري والعربي. وتروي ابنته كيف أنه نجح في أداء دوره في فيلم “عودة الابن الضال” ليوسف شاهين لدرجة أن ماجدة الرومي عندما زارت الجزائر وشاهدته خلال الحفل نادته “بابا” كما كانت تناديه في الفيلم. وهو الفيلم الذي صور في الجزائر وتناول فيه الكاتب صلاح شاهين حرب 1967 ولعب أدوار البطولة إضافة إلى سيد علي كويرات كل من سهير المرشدي وشكري سرحان ورجاء حسين وعلي ماهر وهدى سلطان ومحمود المليجي.
كويرات رفض الجنسية الفرنسية ووصيته “الجزائر”
تعلق كويرات بأبنائه كثيرا وعاش من أجلهم ولأجلهم، لم يعنفهم صغارا وصادقهم كبارا وكانت وصيته أن يبقوا متحدين ومتحابين.
أوصى كويرات عضو الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني أبناءه خيرا بالجزائر وهو من اقترحت عليه الجنسية الفرنسية ومنزل بباريس وكل ما يحتاج من ظروف لإقامة كريمة ولكنه رفضها ورفض عروضا كثيرة مماثلة وكان يرد قائلا “فرنسا خرجناها.. فكيف نستقر فيها الآن“.
نأمل أن يحقق ميهوبي حلم كويرات الأخير
لا تزال ابنة أسد الشاشة الجزائرية متمسكة بحلم أبيها وهي تسعى جاهدة لتحقيق آخر أحلام رجل أحب الفن وبذل عمره من أجل ترقيته “أريد أن أحقق حلم والدي بتأسيس مدرسة لتعليم السينما. وأريد أن أقابل وزير الثقافة عز الدين ميهوبي لتقديم مشروع يتمثل في متحف لقامات التمثيل في الجزائر، يكون كمعرض دائم ويضم مجسمات وصورا لكل فنان وفنانة مع نبذة عنه وصورا نادرة عن أعمالهم وجولاتهم. من المهم أن نضع الأرشيف الفني للأجيال لتطلع عليه ويكون مرجعا للطلبة والفنانين الصاعدين وللجمهور الواسع“.



