الجزائر
الهوس الشرائي يساهم في غياب مواد أو رفع أسعارها

لهذه الأسباب يقع الجزائريون فريسة للندرة والإشاعات

صالح سعودي
  • 3099
  • 1
أرشيف

كثيرا ما يتسبب المواطنون في ارتفاع الأسعار وغياب مواد أساسية في السوق، ما خلّف أزمة حادة للدقيق والزيت وغيرها من المواد واسعة الاستهلاك. وهذا بسبب الوقوع في فخ الإشاعات، ما يزيد من حدة اللّهفة وتأثيراتها السلبية.

المتأمل لواقع الجزائريين يقف على ظاهرة ملفتة للانتباه، وهي سرعة التأثر بمختلف الإشاعات التي تروّج من حين إلى آخر حول ندرة بعض المواد الأساسية أو ارتفاع أسعارها في الأسواق، ما يدفع الكثير إلى التكديس في المنازل، من خلال اقتناء أكبر كمية ممكنة، مثلما حدث مع الزيت ومادة الدقيق على وجه الخصوص، حتى إنّ أحد المواطنين اكتنز في منزله أكثر من 10 قناطير من الدقيق، وفي النهاية كان مصيرها الرمي بعد تعرضها للفساد.

ورغم تطمينات الجهات المعنية وتأكيدها توفر مختلف المواد واسعة الاستهلاك، والدعوة إلى ترشيد الاستهلاك وتفادي اللهفة والاكتناز، إلاّ أنّ الظاهرة بقيت سارية المفعول، ما تسبّب في اختلال الكثير من الموازين، بدليل غياب عدة مواد أساسية في المحلات والأسواق، مثل الدقيق والزيت وقبلها السكر وغيرها من المواد واسعة الاستعمال.

مساهمة الإشاعة في الندرة.. بين أزمة الثقة وغياب المنتج

يُفضّل البروفيسور نور الصباح عكنوش، من جامعة بسكرة، طرح سؤال يراه مركزيا، وهو لماذا نحن بيئة منتجة للإشاعة؟ هل بسبب ثقافتنا الشفوية أم لضعف منظومتنا الاتصالية أم لغياب عنصر الثقة بين الحاكم والمحكوم؟ مضيفا أن بؤرة التحليل تبدأ من هنا، لأن كمية الإشاعات التي تنتج يوميا من طرف المجتمع تحتاج لدراسة علمية بالنظر لدور الإشاعة وتأثيرها على السلوك الاستهلاكي والحياتي للأفراد إزاء ما يحيط بهم من متغيرات يستجيبون لها عبر الإشاعة، خاصة بعد دعم إنتاجها وتوزيعها بالإنترنيت، حيث أصبحت أكثر انتشارا وبأقل تكلفة وبأكبر سرعة ممكنة، وهو ما نستبصره في الفضاء العمومي الذي أصبح مفتوحا أمام أي خبر يروج له المواطنون للتعبير أو الاحتجاج أو التحايل أو الحصول على مكاسب أو مصالح أو مغانم من إشاعة الإشاعة إن صح التعبير، خاصة زمن الحروب والأزمات، بما تتيحه من فرص للربح استغلالا للخوف والقلق وكذلك هشاشة آليات الفهم والاستيعاب.

الهوس الشرائي يزيد متاعب الجزائريين

يرى الدكتور بومدين بروال، من كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير والتجارة بجامعة باتنة1، بأن ظاهرة الإشاعة تتوافق مع عملية اجتماعية لتبادل الأخبار غير المؤكدة، مضيفا أن مجتمعنا الجزائري ونتيجة لبعض الأحداث والتطورات التي مر بها، التي أدت إلى ندرة حقيقية في السلع الاستهلاكية (أزمة نهاية الثمانينيات)، جعلت الفرد الجزائري يصاب بما يسمى بـ”الهوس الشرائي” كلما تم تداول أخبار غير مؤكدة حول ندرة السلع الاستهلاكية.
وقال بروال بأن هذا الهوس يتفاقم أكثر كلما كانت الإشاعة مصاحبة لأحداث أو أزمات (الحراك، تداعيات انتشار فيروس كورونا) أو مصادفة لمناسبات معينة (شهر رمضان). وهو ما يفسر هذه التصرفات الشرائية النابعة من الخوف أو القلق من ندرة بعض المقتنيات أو ارتفاع ثمنها، مؤكدا أن مثل هذه التصرفات التي قد لا نجد مبررا قويا لها تعد فرصة لبعض الشركات والتجار لاستغلالها من أجل تصريف منتج أو زيادة الربح أو احتكار السيطرة على السوق.

الطمع أزّم الوضع.. والحل في الرقابة ونشر الوعي

من جانب آخر، يدعو الأستاذ طارق رقيق إلى ضرورة التمييز بين التاجر والمشتغل بالتجارة لمواجهة اختلال السوق، مشيرا إلى أنّ التهافت على المواد الضرورية بمجرد تداول إشاعة فقدانها من السوق يعبّر عن عدم ثقة المواطن في المشتغلين بالتجارة مع الممارسات غير الشرعية التي تثبتها المصالح المعنية من حين لآخر، مع ضرورة التفرقة بين الشخصين، فالتاجر الحقيقي يدرك أنه يقدم خدمة عمومية إلى جانب تحصيل الأرباح، كما يجب أن يكون على دراية بالفقه الشرعي في مجاله، أما المشتغلين بالتجارة وهم الفئة الأغلب فلا يفقهون من نشاطهم، حسب الأستاذ رقيق، سوى شراء سلعة وإعادة بيعها بهامش ربح، وقد يلجؤون لطرق غير شرعية لزيادة هذا الهامش مثل المضاربة وتخزين السلع المفقودة، فيلجأ المواطن حيال ذلك إلى اقتناء السلع بكميات تزيد عن حاجته ليخزنها هو الآخر بمجرد إشاعة فقدانها من السوق، علما أنّ الشعور بالأزمة لا يعني وجودها في الحقيقة؛ لذلك تقع مظاهر التهافت على السلع بين انعدام فقه التجارة لدى المشتغلين بها وانعدام الثقة وفقه الاستهلاك لدى المواطنين.

مقالات ذات صلة