مأساة الجزائر!
في تقييم أولي للشوط الأول، من الحملة الانتخابية، يلاحظ، برودة الخطاب السياسي وكاريكاتورية الوعود والعهود التي يقدمها المترشحون، حتى يعتقد الملاحظ أحيانا، أن هؤلاء ليسوا في كامل قواهم العقلية، فيما مازال فتور إقبال المواطنين مستمرا، بالنسبة للتجمعات الانتخابية وعدم الاهتمام بالحملة، إضافة إلى استنساخ الخطابات والوعود بين المترشحين وقيادات الأحزاب، التي ذهب بعضها إلى حدّ وعد الجزائريين بإدخالهم إلى الجنة وتجنيبهم عذاب القبر!
قد يكون من الواقعية، التأكيد بأن المشكل ليس بأيّ حال من الأحوال، في الانتخابات.. بمعنى أن الأغلبية الساحقة من الجزائريين، ليست ضدّ الاقتراع كفعل سياسي وأداة ديمقراطية، وإنـّما الإشكالية، في المترشحين والأحزاب التي كرّهت المواطنين في الانتخابات، بسبب الوعود الكاذبة ووأد الثقة والمصداقية!
ليس سرّا أن هناك من النواب والوزراء والأميار، من تورطوا في تيئيس المواطنين وإحباطهم بالكلام الهلامي والافتراضي، والوعود الخيالية، بدل تقديمهم لبرامج وحلول واقعية ومنطقية لمشاكل الجزائر، فيما يتعلق بدفع التنمية وحلحلة أزمات السكن والشغل والبطالة والتوزيع الجغرافي وشبكة الأجور ونظام العرض والطلب في تحديد بورصة الأسعار وحماية القدرة الشرائية!
نعم، هؤلاء – وليس كلهم طبعا – يتحملون مسؤولية توجه العديد من المواطنين نحو خيار “المقاطعة” كاختيار اضطراري، أو بالأحرى عدم الاكتراث بالانتخابات، خاصة التشريعية والمحلية، كعملية عقابية لتأديب نواب تورطوا في مقاطعة مداشرهم وولاياتهم ودوائرهم الانتخابية، وأيضا مقاطعة مساقط رؤوسهم وحتى عائلاتهم وأصدقائهم والمواطنين الذين انتخبوهم لتمثيلهم في البرلمان وليس للتمثيل عليهم!
يجب القول كذلك، أن القضية لم تعد مرتبطة بحكاية التزوير التي حوّلها البعض إلى “غول” لتخويف الناخبين والمنتخبين كلما عادت المواعيد الانتخابية، ولكن القضية هي قضية قدرة الأحزاب وجدارة المترشحين ومعهم الإدارة، في إقناع الناس بالمشاركة القوية والواسعة في الانتخابات كطريق ديمقراطي وسلمي للتغيير!
يا جماعة الخير: لا يُمكن لنائب سابق أن ينجح في الانتخابات وهو من هجر مواطنيهم و”خانهم” ولم يف بوعوده، كما لا يمكن لرئيس بلدية فشل فشلا ذريعا في تطوير بلديته والاستماع لأبنائها، أن يُقنع ضحاياه بالتصويت لصالحه إمّا في البرلمان أو المجلس المحلي، كما لا يُمكن أيضا لأحزاب عجزت عن التغيير وهي بالبرلمان والحكومة والمجالس المحلية، أن تدعو الآن في عزّ الحملة الانتخابية إلى التغيير!
قد يكون تغيير الذهنيات والعقليات، أهم وأبقى من تغيير الأشخاص والأحزاب والحكومات والبرلمانات، فهل كلّ الذين ينادون ويغالون عندما تعود الانتخابات، يملكون ضمانات لتغيير ذهنياتهم وأفكارهم المسبقة والجامدة والمتطرفة وتتفيه كلّ ما هو قادم من الآخر، وهو ما يُعتبر جزءا من مأساة الجزائر؟
نعم، لا يُمكن لمعاداة الانتخابات أن تكون بديلا وحلاّ، وربّما من الحلول المتاحة في الوقت الراهن، هو “التصويت العقابي” ضد الفاشلين والعاجزين وأولئك الذين يأكلون الغلة ويسبون الملة، باختيار كفاءات جديدة من حقها تجريب حظها، مع تجديد الثقة في سابقين، ربما نجحوا في مهمتهم ولو بنسب متفاوتة، فمن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر.. والله لا يضيع أجر المحسنين!