ماذا بقي للجزائر في مالي؟
ماذا بقي للجزائر في مالي؟ سؤال تثيره بحدّة تطورات الوضع ميدانيا ودبلوماسيا وسياسيا.
لقد استقطب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، كل الأضواء وهو ينزل بسيفاريه وتمبكتو كفاتح جديد، أكثر منه كمحتل يبحث عن موطئ قدم ثابت، تتهافت عليه الأيدي تحية وعرفانا، على الإنجاز الكبير “السهل” الذي حقّقه الجيش الفرنسي، على الجماعات المسلحة الجهادية، وها هو يلاحقها في أقاصي الأراضي المالية على حدودنا الجنوبية.
الرئيس الفرنسي، الذي يتحرك بتناغم كبير مع تحرك أذرعه الفاعلة في الداخلية والخارجية والدفاع، حوّل القضية المالية إلى قضية فرنسية محضة، وأصبح يعطي الأوامر للسلطة المالية في باماكو بما يجب أن تفعل، وكيف تنسج خارطة طريق سياسية، ومع من تتحاور، وعلى الكل أن يمر عبر باريس ليقول كلمة عن مالي، حتى الولايات المتحدة الأمريكية، التي نبّهت إلى استمرار التدخل الفرنسي في مالي خارج الأطر الأممية، لم تخف قناعتها على لسان جون بايدن، نائب الرئيس الأمريكي، حين قال للرئيس الفرنسي بباريس، إن الحرب في مالي تخدم المصالح الفرنسية، ولكنها تخدم المصالح الأمريكية أيضا والعالمية، في حين تاهت مصالح مالي والجزائر في خضم هذا التجاذب الفوقي.
أمام استمرار تهاطل هذه التطورات تزداد الجزائر، ابتعادا عن موقعها المحوري من القضية، وكأن في كل انفجار أمني أو سياسي أو دبلوماسي يقذف بالجزائر إلى دائرة أبعد، تتلاشى معها قبضتها على خيوط الأزمة في مالي، بعدما كانت نقطة تقاطع للفاعلين في الداخل المالي ودول الجوار لعدة سنوات، وكذا القوى العظمى وقيادة “أفريكوم” والأمم المتحدة التي تطرق أبواب الجزائر لـ”تفهم” حقيقة ما يدور في مالي، والسبل المثلى لعلاجه، وقد ساهم إقصاء الاتحاد الإفريقي كمنظمة إقليمية، في البحث عن حلول وإقحام مجموعة دول غرب إفريقيا المحسوبة على فرنسا، في إسقاط أهم أوراق الجزائر.
فماذا بقي للجزائر بعد أن تلاشى دورها كجمرة سقطت في ماء، بعد التدخل العسكري الفرنسي المفاجئ في 11 جانفي، ليعصف بكل المقاربات الجزائرية المالية والإفريقية وحتى الأممية، ويفرض معادلة الأليزيه للأزمة المالية، لأنها تركة أو بذرة فرنسية غرست منذ فترة الاستعمار، وبعثت مع الأزمة الليبية تدريبا وتسليحا ثم هيكلة من خلال الانقلاب على الشرعية وإعلان دولة الأزواد، من باريس في 6 أفريل 2012، دون أن تتخذ فرنسا الرسمية أي موقف رافض أو مندد من الإعلان، وعليها الآن حق حصادها لوحدها دون منافس.
ماذا بقي للجزائر في مالي، والرئيس المالي المؤقت يعلن صراحة استعداده للحوار مع حركة تحرير أزواد فقط، رغم أنها متمسكة بالانفصال، ما يعني أن “حكما ذاتيا موسعا في إطار السيادة الترابية المالية” سيكون ورقة حوار، وهو موقف ليس غريبا أو جديدا، فقد شنّت الحركة حربا مدمرة على الشرعية في باماكو، وأعلنت عن إقامة دولة أزواد في شمال مالي، كما دعمت الحركة التدخل الفرنسي العسكري، واعتبرت نفسها سندا ميدانيا له في مطاردة باقي الجماعات المسلحة خارج المدن بغض النظر عن هويتها، بما في ذلك قبائل العرب والتوارق، وعناصر حركة أنصار الدين المحسوبة على الجزائر، التي ارتكبت خطأ كبيرا حين هاجمت مدينة كونا، معلنة الحرب على باماكو وباريس، سواء من تلقاء نفسها أو بناء على سقوطها في عمل استخباراتي محبك استطاع التشويش على رؤية قيادتها وتماسكها، بهدف الإبقاء على حركة أزواد في الواجهة دون غيرها، بما يخدم أجندات أجنبية معينة، واضعة الجزائر في حرج داخلي ودولي كبير.
نخشى أن ينتهي المطاف في الجزائر، إلى أن تصبح دولة محايدة تكتفي بسلبية بحراسة حدودها، والقبول بالتعامل مع الحماية الفرنسية للجانب الآخر من حدودنا الجنوبية، وعلى المرور عبر باريس للفصل في أمهات قضاياها مع باماكو، أو هكذا يبدو سياق الأحداث.