ماذا تعرف عن النساء؟!
في أواخر التسعينيات صدر كتاب في أستراليا بغلاف وتجليد أنيقين، وكان له عنوان مثير: “كل ما يعرفه الرجال عن النساء..”. وإمعاناً في تشويق القارئ أحيطت كل نسخة من هذا الكتاب بغلاف شفاف مختوم، لا يتيح له تقليب صفحاته إلا بعد شرائه..! فإذا دفع القارئ ثمنه، وفضّ ختمه الشفاف، وفتح الغلاف، وجد نفسه أمام مئتين من الصفحات البيض، لا تنطوي على عنوان.. ولا فهرس، ولا أي نوع من الكتابة.. إنه كتاب أبيض بامتياز!! ويخطئ من يظن أن في الأمر خدعة تجارية، أو خللاً طباعياً.. فالكتاب مرخص، وله رقم في المكتبات العامة كما تقضي أعراف النشر العالمية..! غير أن القارئ “اللبيب” ما يلبث أن يتلقى الرسالة التي بعث بها المؤلف إليه في هذا الكتاب، ومضمونها أنه “لا أحد من الرجال يعرف شيئاً عن النساء”!!.
وإذا كانت هذه الرؤية الساخرة، هي خلاصة ما يراه ذلك المؤلف الأسترالي، عن العلاقة “المعرفية” بين الجنسين في بلاده، فماذا لو استعرنا منه ذلك العنوان المثير، وحولناه إلى سؤال جاد: ماذا يعرف الرجال عن النساء في مجتمعاتنا العربية..؟؟ ثم حاولنا أن نجيب عن هذا السؤال، من خلال مئات الشخصيات النسائية التي شاهدناها في الأعمال الدرامية التلفزيونية الاجتماعية – وقبلها الأفلام السينمائية العربية – التي كتبها مؤلفون رجال إلا ما ندر..! وعلى الرغم من سهولة السؤال البادية؟. فإن الإجابة لن تكون سهلة، وتحتاج إلى دراسات وإحصاءات كثيرة، وإلى غربلة نقدية، عرفنا بعضاً منها في بعض الرسائل الجامعية، وبعض الكتب النقدية التي تناولت واقع المرأة، كما تبدّى في الأفلام أو الأعمال الدرامية.. فإننا نستطيع – من خلال المعايشة الواقعية لظروف الإنتاج الدرامي في سورية – أن نلاحظ عدداً من الصور التي التقطتها عيون المؤلفين الرجال للنساء وهنّ يتجولن – فرادى وجماعات – في غابة المجتمع الذكوري “المستقر في جوهره التقليدي، الذي يشهد تغيرات سطحية طفيفة”، ولعل أوضح الصور وأقدمها، والمتلامحة خلف كل الصور اللاحقة لها حتى اليوم، هي صورة المرأة العاشقة الحالمة بعالم وردي لا ينكده سوى تجاهل الرجل “الغليظ” لمشاعرها الدقيقة التي يعجز عن رؤيتها وتثمينها ومراعاتها، مع أنها تمثل عالمها كله، وطموحاتها، ومتطلباتها الأساسية لتحقق ذاتها وكيانها الأنثوي الرهيف “الضعيف”، وإن اشتكت من ذلك فإنما تشكو إلى الرجل “الغليظ” نفسه، من ظلمه “العاطفي” لأنه الخصم والحكم في آن واحد، وهذا ما التقطه شاعر المرأة نزار قباني في تلك المرحلة الدرامية – السينمائية المبكرة، والمبللة بالدموع:
.
“شؤون صغيره تمرّ بها أنت دون التفاتِ تساوي لديَّ حياتي..!!”
واستمرت هذه الصورة الدرامية مدة طويلة – نسبياً – إلى جانب صور أخرى جزئية، تمثل المرحلة الرومانسية بأبعادها كافة، كالمرأة “الضحية” التي تعد الأيام في انتظار لحظة الانتقام من الرجل الذي خدعها، ودمر أحلامها وكان سبباً في شقاء عمرها. والمرأة المقهورة بزواج مفروض عليها بقوة التقاليد، أو قوة المال الذي يبيع ويشتري على هواه، ثم المرأة “الخاطئة” التي دفعت بها الظروف الصعبة إلى هاوية الضياع وسوى ذلك من المزيج الميلودرامي – الرومانسي الذي كان يجد أصداء “إيجابية” عند المتلقين سيما النساء!!
ولم تودع المرأة أرض العاطفة والشقاء والدموع، لتبدأ بوعي أبعاد قضيتها الاجتماعية، وتلمس السُبّل المجدية للحصول على حقوقها الإنسانية، إلا مع مطالع التسعينيات، حيث أثبتت المرأة شيئاً من الحضور العلمي والثقافي، والمكانة الاجتماعية، في مفاصل الدولة الحديثة، وبدأ مؤلفو الدراما ينظرون إلى ما تحققه المرأة من نجاحات في ميادين عملية عِدّة، فها هي ذي المرأة الطبيبة، والمرأة المحامية، والمرأة “المدير العام” لمصالح إدارية مهمة، والمرأة الكاتبة، والمرأة الأكاديمية.. وراحوا يصغون إلى ما تقوله بلسانها عن واقع حياتها، ومشكلاتها، في مجتمعنا التقليدي الذي “يتظاهر” بالتقدم، ولكنه لم يفسح لها الطريق إلى ما وصلت إليه إلاّ مرغماً، وبعوامل متداخلة ومعقدة كثيرة..!!
لكن هؤلاء المؤلفين ومن معهم من صناع الدراما ومعهم أجهزة الرقابة “الحارسة التقليدية للأوضاع القائمة”، لم يتمكنوا – في بدايات تحول نظرتهم إلى الأفق الجديد الذي باتت النساء يتحركن فيه – من تقديم نظرة صافية و”حقيقية” عن واقع النساء، وعذاباتهن، وأحلامهن وأشواقهن، وأهدافهن المشروعة؛ فراح هؤلاء الرجال يغازلون المجتمع ومؤسساته التقليدية بالالتفاف حول المشكلات الكبيرة في عالم النساء، ولا يظهرون منها إلا (خداً وعيناً) كما يقول المثل الشعبي، أو كما فعل طباخ الأمير في إحدى قصص “ألف ليلة وليلة” الايطالية التي كتبها بوكاشيو بعنوان “ديكاميرون”(ومعناه: المائة حكاية)، فقد سرق ذلك الطباخ إحدى رجلي الإوزة التي اصطادها الأمير، وأعطاها لحبيبته، وحين لاحظ الأمير وضيوفه ذلك النقص على المائدة، ادعى الطباخ أن الإوز كله برجل واحدة.. ولكي يتلافى غضب الأمير اصطحبه إلى الحقول ليرى أن الإوز يقف على رجل واحدة في البحيرة فعلاً.. ولكن الأمير سارع وأطلق رصاصة في الهواء فطار رفُ الإوز وبانت الرجل الثانية..!! وحينها قال الطباخ متذاكياً: – ولكنك لم تطلق النار على المائدة يا سيدي..!!