ماذا قدمت الثلاثية للجزائريين؟
مثلما كان متوقعا، كانت معطيات الظرف الاقتصادي هي الحاسمة في حسم مقررات اجتماع الثلاثية الأخير.. اجتماع يرى مراقبون أنها صبت في مصلحة رجال الأعمال والحكومة، وكان المتضرر فيها هم العمال، لكونهم خسروا مكتسبات مثل التقاعد النسبي والمسبق، لكنهم ومع ذلك لم يربحوا شيئا على صعيد تدهور القدرة الشرائية جراء التراجع الكبير في قيمة الدينار. إنها المعطيات التي دفعت المتابعين إلى القول بأن العامل هو من دفع الثمن في اجتماع الثلاثية الأخير. فهل لذلك علاقة بالجهة النقابية التي مثلته؟ أم أن المصلحة العليا للبلاد تقضي بالمزيد من التضحية؟ لكن هل التضحية تبقى حكرا على العمال دون غيرهم؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول “الملف السياسي” لهذا العدد، الإجابة عليها.
“الهبرة” لرجال الأعمال و”العظام” للعمال
المركزية النقابية.. مع من وقفت في اجتماع الثلاثية ؟
خلّف اجتماع الثلاثية الأخير حالة من الغضب لدى مختلف الفئات العمالية، التي قرأت في نتائجه انحياز غير مبرر لصالح الحكومة ورجال الأعمال (الباترونا)، وزاد من حدة الانتقاد اقتصار التمثيل العمالي فيها على الاتحاد العام للعمال الجزائريين، الذي يعد برأي الكثير من المتابعين، المدافع الوفي عن حقوق الشغيلة.
وكان واضحا منذ البداية أن مخرجات الثلاثية سوف لن تكون كسابقاتها هذه السنة، وزاد من ترسيخ هذه القناعة الظرف الاقتصادي وخطاب الوزير الأول، عبد المالك سلال، في افتتاح الاجتماع، والذي أعطى الانطباع بأن البلاد تعيش حالة “اقتصاد حرب”، ما يعني بداية التبرير لتوقيع نتائج لا تحظى برضى العمال.
الوزير الأول عبد المالك سلال، هيأ العمال بمقدمات أنبأت بسوء ما هو قادم، عندما قال: “أقولها من دون ديماغوجية: الوضع صعب والعوائق حقيقية والغد غامض..”، قبل أن يغرق الحضور في أرقام متشائمة بخصوص الاقتصاد الوطني، أرجعها للتدهور الكبير في أسعار النفط خلال السنتين الأخيرتين.
أما التطمينات فقد كانت موجهة لمنظمات أرباب العمل، فقد وعدهم بتسهيل الاستثمار وأمر الولاة بمكافحة البيروقراطية التي تعيق تخصيص العقار الصناعي، ولتأكيد ذلك قال سلال “إنها المرة الأولى التي ندعو فيها الولاة إلى الثلاثية وقد كلفناهم بتسوية مشكل العقار الصناعي بالتعاون مع وزاراتي الصناعة والداخلية”.
أما “الباترونا” فقد حرصت على الدفاع عن مصالحها، التي كان سلال السباق في التأكيد عليها، لكنها أصرت على الحصول على تخفيفات جبائية على رؤوس الأموال المعاد استثمارها، فيما اكتفى الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين، عبد المجيد سيدي سعيد، بالتنبيه إلى مستقبل القطاع الصناعي وتأهيل المؤسسات.. فيما غاب عنه حمل انشغالات الفئات المسحوقة من العمال، والوقوف في وجه الحكومة والباترونا، اللذين قررا رفع سن التقاعد إلى ستين سنة، من دون اعتبار لانشغالات العمال.
وهكذا كانت أول صعقة يفرزها المجتمعون في إقامة الميثاق الفاخرة، إلغاء التقاعد المسبق والنسبي، وتثبيت السن القانونية للإحالة على المعاش، عند عتبة الستين، حتى ولو كان العامل قد قضى أزيد من 32 سنة خدمة، وهو الأمر الذي قضى على أحلام مئات الآلاف من الجزائريين، الذين كانوا قد شرعوا في الإعداد للانتقال من وضع إلى وضع مغاير.
وفي ظل النتائج التي تمخض عنها اجتماع الثلاثية الأخير، عادت للواجهة التساؤلات المتعلقة بالتمثيل العمالي في مثل هذه الاجتماعات، والذي ظل كما هو معلوم، حكرا على المركزية النقابية، التي أصبحت في نظر ملايين الشغيلة، أقرب في طروحاتها إلى الحكومة وأرباب العمل، منه إلى انشغالات الفئات العمالية.
ويؤكد هذا الانشغال، رؤوف ملّال القيادي في كنفدرالية العمال الجزائريين، الذي كشف عن وعد قطعه وزير العمل والضمان الاجتماعي، محمد الغازي، على نفسه قبل اجتماع الثلاثية، بإشراك النقابات المستقلة في الاجتماع، غير أنه أخلفه، ما يعني أن الأمر يتجاوز مجرد وزير في الحكومة أو حتى الوزير الأول ذاته.
وتدرك الحكومة أن إغراق اجتماع الثلاثية بممثلي النقابات المستقلة، من شأنه أن يحد من اندفاع الحكومة نحو تبني قرارات قد لا تخدم مصالح الفئات العمالية، وهي القناعة التي تكون قد ترسخت لديها من خلال تجارب بعض النقابات، ولاسيما تلك التي تنشط في قطاع التربية، والتي تمكنت من “تركيع”، الجهاز التنفيذي برمته، خلال إضراباتها المتعددة، وهي التجربة التي نجحت في قطاعات أخرى، على غرار الصحة، والنقل مؤخرا.
ومما سبق يمكن القول إن العمال لم يتم تمثيلهم بالشكل المطلوب في الاجتماع الأخير للثلاثية، فكان وضعهم مثل الطرف الذي تنوب عنه العدالة الرسمية في تكليف محام على حسابها للدفاع عنه، فهل يمكن أن يكون هذا المحامي “حارا” بالحرارة ذاتها التي عادة ما يتميز بها المحامي المكلف مباشرة من قبل الضحية مثلا؟
المستشار الاقتصادي الدكتور عبد الرحمان مبتول:
“الثلاثية” لن تحلّ الأزمة.. والجزائر بحاجة إلى حوار وطني
ما قراءتكم الأولية لنتائج الثلاثية الأخيرة؟
أشير بداية إلى أنه لا وجود لمفهوم “الثلاثية” في البلدان الكبرى، بل يطلق على مثل هذه اللقاءات تسمية “ثنائية”، باعتبار أن الحكومة تمثل الشعب، كونها منبثقة ديمقراطيّا، أما المتعاملون والنقابات فهي طرف واحد يدافع عن مصالح مُفوضّيه، وبخصوص النتائج، فإنّ الحكومة بحوزتها ملف ثقيل يتعلق بالنموذج الاقتصادي الجديد للفترة بين 2016 و2019 ثمّ 2020 و2030، يحتوي على أكثر من 80 صفحة، لكنها لم تطرح تفاصيله في اجتماع الثلاثية الأخيرة، لأنّ الوزير الأول فضّل معرفة اقتراحات الشركاء أولاً لإدماج الإيجابية منها في الملف، وفي حدود علمي، أنها سوف تدرس النموذج الاقتصادي الجديد في غضون ثلاثة أو أربعة أيام قادمة، قبل عرضه على الرأي العام، ولكن في رأيي، حتى يكون له الفعالية ميدانيا، لابدّ أن يخضع لحوار وطني موسع، لأنّ وضع البلاد خطير، فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما، إما إصلاحات عميقة مع تجنيد الفئات الاجتماعية أو اللجوء لصندوق النقد الدولي في 2019، وفي قناعتي الشخصية، فإنّ مشروع الحكومة في مواجهة الأزمة مقنع لكن بشروط، إذ يجب أن يفهم الشعب الهدف، من خلال الاتصال الشفاف، لأنه لا يمكن تجاوز الأزمة إلّا بالعمل المشترك، أما في حال استمرار السياسات السابقة فالبلاد ستتوج حتمًا نحو الجدار، لهذا أشدّد على أنّنا في ظروف صعبة للغاية، تقتضي الحوار البنّاء بين الجزائريين، للانتقال إلى تغيير سياسي واقتصادي واجتماعي، يفضي إلى تشجيع المبادرات الاقتصادية، عبر محاربة البيروقراطية .
البعض يعتقد أنها شكلت عبءا على العمال لصالح رجال الأعمال، ما تعليقكم؟
ليس صحيحا تماما هذا التقييم، كلام الوزير واضح بهذا الصدد، فقد شدد على التمسك بمبدأ العدالة الاجتماعية، بل إنه ربط الأخيرة بالوصول إلى الفعالية الاقتصادية، تناغمًا مع فكرة المردودية وقاعدة الإنتاج والإنتاجية، لكن لم يكن منطقيا بتاتًا زيادة الأجور مثلما جرت العادة في سنوات ماضية، لأنها ستؤدي إلى ارتفاع التضخم، وبالتالي المساس بفئة الأجراء، من خلال انهيار القدرة الشرائية، أما بخصوص مزايا رجال أعمال، فهي تحفيزات عادية، تركّزت على تشجيع المقاولين وعدم التفريق بين القطاعين الخاص والعام، لخلق الثروة الدائمة، وهذا هو المنطق الاقتصادي، لكن في ظلّ حماية الدولة للفئات الضعيفة، لأنّ همّ الخواص هو الربح، والدولة عبر الوزير الأول أكّدت التشبث بمكتسبات الثورة الاجتماعية، إذن، فالجزائر تأخذ حاليّا بنمط اقتصاد السوق الاجتماعي.
هل تعتقدون أن سنّ التقاعد (60 عاما) المرسّمة في الثلاثية عادلة للجميع؟
هي عقلانية إلى أبعد الحدود، والسقف في كلّ الأحوال هو 65 سنة، لكن لابدّ من التفريق بين المهن المريحة وتلك الشاقّة، حيث من المنطقي أن تستفيد الفئة الثانية من سن تقاعد أقل في حال قضاء 30 سنة عملا، فهؤلاء يخضعون فرنسا لنظام خاص على خلاف باقي العمّال، وأملي أن تأخذ الحكومة الجزائرية هذا الأمر بعين الاعتبار، قبل صدور القانون بصفة نهائية، أما بخصوص بعض القطاعات التي عرفت انتشار التقاعد المسبق سابقا، فعليها أن تقدّر الظروف الخاصة للبلاد بعد مغادرة البحبوحة، ثمّ إنّ أكثر من 40 بالمائة مثلاً من متقاعدي التعليم يتوجهون للدروس الخصوصية.
برأيكم، هل استمرار التمثيل الحصري للمركزية النقابية في أعمال الثلاثية لفائدة العمال؟
أنا اقترحت “باترونا” موحدة بالنسبة إلى المتعاملين، تضمّ الفروع الكبرى للمقاولات، حتى يكون لها قوة الاقتراح والتمثيل، وعلى ذات المنوال، يجب إشراك جميع النقابات التي لها حضور ميداني، صحيح أنّ “المركزيّة النقابية” لها دور تاريخي واجتماعي منذ الثورة، ولكن هذا لا يبرر إقصاء النقابات التي هي شريك أساسي في قطاعات كبرى، لأن قصر التمثيل على “الموالين” سيجعلنا في “حوار نساء”، وأظنّ أن الحكومة ستوسّع المشورة في المستقبل، في إطار تجنيد كل النقابات المؤثرة في المجتمع.
رؤوف ملّال القيادي في كنفدرالية العمال الجزائريين لـ”الشروق”:
وزير العمل وعدنا بالمشاركة في الثلاثية لكنه لم يوفّ
ما تعليقكم على نتائج ثلاثية 5 جوان 2016؟
أعتقد أن لقاء الثلاثية لم يحمل أي جديد للعمال، فالحكومة حاورت نفسها ولم تخاطب العمال الذين كانوا يبحثون عن انتزاع حقوق جديدة عبر هذا الاجتماع، كما أن الثلاثية أعطت الأولوية لأرباب العمل، وفضلتهم على العمال الذين كانوا مغيبين بشكل شبه كلي، وأؤكد أن نتائجها كانت وخيمة، والحكومة اختارت تبني الاتجاه البراغماتي، وللأسف كان الموظف أو العامل آخر اهتماماتها، حيث فضلت الاستماع إلى رب العمل والوزير، ولكنها لم تنشغل بالموظف، ولم تستدع حتى ممثليه الفعليين للاجتماع، ولذلك فلقاء الثلاثية الأخير لا يشكل حدثا بالنسبة إلينا فضلا عن كونه لم يحمل أي جديد، بل بالعكس قراراته كانت سلبية للعمال الذين لم يستفيدوا من أي إجراء لصالحهم.
هل ترون أن سن التقاعد المتفق عليها، والمحددة بـ60 سنة مع إلغاء المسبق والنسبي، سن عادلة، أم إن لكم رأيا آخر؟
نحن نرى أن إلغاء التقاعد النسبي والمسبق للعمال ظلم، كما أننا نرفض بشدة المقترح الذي جاء به منتدى رؤساء المؤسسات، الخاص برفع سن التقاعد إلى 65 سنة بدل الستين، ونرى أنه تفكير جائر واستغلال للعامل الذي يتم إنهاكه وامتصاص قدراته، إلى آخر نفس، ونرفض هذا الطرح جملة وتفصيلا، ونرى أنه لا يخدم إلا رب العمل الذي لا يبحث إلا عن مصالحه ومصالح مؤسسته ولو على حساب العامل البسيط، ونرفض أن تمارس مثل هذه الانتهاكات في حق العمال، فما جاء به رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، علي حداد، باطل وغير مقبول ولا يتقبله أي طرف، ونحن كنقابات نجرمه، وندعو إلى عدم معاودة طرحه من جديد.
في ظل تراجع قيمة الدينار وارتفاع الأسعار وما رافقه من انهيار في القدرة الشرائية للجزائريين، أين هذه القضايا من لقاء الثلاثية؟
نحن نجمع على أنه تم تغييب وتهميش العامل أو الموظف في لقاء الثلاثية، ولم يتم إثارة إلا المسائل التي تهم رجال المال والأعمال من عقارات وقروض وتسهيلات جبائية، ونؤكد أنه اليوم وفي ظل الظرف المالي الصعب الذي تمر به البلاد، فالحكومة تسارع في كل مرة لفرض رسوم وضرائب جديدة، ولكن ليس على رجل الأعمال وإنما على العامل الذي أُنهكت قدرته الشرائية بشكل كبير، وهو ما نعتبره أحد أهم الأسباب التي جعلت الحكومة تتفادى إشراك كافة النقابات في اللقاء والاكتفاء بالاتحاد العام للعمال الجزائريين، فالحكومة عندما تبحث عن إنعاش الجباية تطرق باب العامل البسيط وعندما تريد منح امتيازات وتسهيلات تفضل أرباب العمل ورجال المال والأعمال.
هل تعتقدون أن حضور الاتحاد العام للعمال الجزائريين قدم إضافة للعمال الذين يفترض أن “ليجيتيا” تمثلهم؟
نحن منذ البداية طالبنا بحضور كافة النقابات وممثلي العمال لقاء الثلاثية الذي تم عقده بداية الأسبوع، ووزير العمل محمد الغازي وعدنا بذلك، إلا أننا صدمنا بأن اللقاء شمل فقط بضع نقابات، وكان الطرف الوحيد الذي تحدث باسم العمال والموظفين هو الاتحاد العام للعمال الجزائريين، الذي لا أخفيكم سرا إذا قلت إنه بات يحسب اليوم على الحكومة أكثر من العمال ويدافع عن مصالح السلطة أكثر من نضاله لفائدة الموظفين، وهنا نطرح التساؤل، لماذا تم تغييب النقابات عن اللقاء، خاصة الكنفيدرالية المستقلة للعمال الجزائريين، والتي تضم خمس نقابات كبرى منها “السناباب” ونقابة عمال البريد ونقابة عمال الغاز والكهرباء؟ وهو ما نصفه بالتجاوز الخطير. وعلى العموم، نحن لا نثق في تمثيل الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين، وإلا فكيف قبل هذا الأخير بإلغاء التقاعد المسبق والنسبي رغم أن عددا من العمال والموظفين أمضوا أزيد من ثلاثة عقود في العمل.

