ماذا يعني اعتراف فرنسا بإعدام بن مهيدي بعد 67 عاما من الترويج لمزاعم انتحاره؟
بعد 67 عاما من الترويج لمزاعم انتحاره، اعترفت فرنسا أخيرا بإعدام الشهيد البطل العربي بن مهيدي، وهي الخطوة التي اعتبرها خبراء ومحللون سياسيون بلا معنى، ومحاولة من باريس لامتصاص التوتر في العلاقات مع الجزائر.
وفي بيان مطوَّل من 672 كلمة، وبمناسبة الذكرى السبعين لاندلاع الثورة الجزائرية، اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بأن القيادي في جبهة التحرير الوطني، العربي بن مهيدي “قتله عسكريون فرنسيون”.
وانتظرت فرنسا 67 عاماً للاعتراف بأن جيشها قتل بن مهيدي، في ليلة الثالث إلى الرابع من شهر مارس عام 1957 شنقاً، بينما ظلت الرواية الرسمية للدولة الفرنسية تقول إنه انتحر.
رحم الله الشهيد #العربي_بن_مهيدي الذي انتصر على اعداء الجزائر و قهرهم بإبتسامته التاريخية التي حيرت الاعداء
اليوم يقهر مراهق الايليزي و اخرجه ليعترف امام العالم كله ان الشهيد قتل و لم ينتحر كما بررو من قبل
ما ابشع الإستدمار الخرنسي و من سانده
( الجار المتصهين 🇲🇦 pic.twitter.com/ZeKYvJuGz9— Gacemi Adel (@adel_gacemi) November 2, 2024
والغريب أن بيان قصر الإليزيه، الذي يؤكد أن أمر الإعدام الذي أُعطي للجنود الفرنسيين جاء من الجنرال بول أوساريس، والحال أن الأخير اعترف في 2001 بأنه هو مَن أمر بشنق بن مهيدي، وجرى تمويه قتله بعملية انتحار.
وكان الجنرال أوساريس، مسؤول المخابرات السابق في الجزائر إبان الاستعمار الفرنسي، أقر في مطلع العقد الأول من الألفية بقتل بن مهيدي، نافيا الرواية الرسمية التي قدمت مقتل القيادي في السجن عام 1957 على أنه انتحار.
واعترف أوساريس في كتابه “المصالح الخاصة في الجزائر 1955-1957” -الصادر في 2001- بأنه مارس التعذيب خلال حرب تحرير الجزائر “بموافقة إن لم يكن بأمر” من المسؤولين السياسيين.
يقول الجنرال الفرنسي السفاح أوساريس عن الشهيد محمد العربي بن مهيدي:
أسابيع من التعذيب .. نزعنا أظافره .. جلده، أجزاء من جسده .. ولم تخرج كلمة من فمه .. بل واصل تحدينا بشتمنا والبصق على وجوهنا .. قبل تنفيذ الإعدام ، جثوت أنا و ضباطي أمام قدميه وقدمنا له التحية الشرفية لشجاعته pic.twitter.com/iGDgWsmyZ2
— ميراث الشهداء (@LegacyOfMartyrs) November 2, 2024
وتذهب التقديرات السياسية إلى أن الإعلان الفرنسي الذي يمس أبرز شخصية ثورية جزائرية، يأتي في إطار محاولة باريس امتصاص التوتر في علاقاتها مع الجزائر، خاصة بعد خطواتها الأخيرة المتمردة على الشرعية الدولية بشأن الصحراء الغربية.
الإعتراف الفرنسي المتأخر و بالتقسيط الغير بريء بجرائم لو عددناها لما استطعنا حصرها، لن يغير شيئًا في ماضيهم الأسود ولا في موقفنا منه و لن يضيف شيئًا جديدًا لا نعرفه في ذلك التاريخ الإستعماري الإجرامي الممتد على طول قرن و ربع القرن من الزمن.#ماكرون #العربي_بن_مهيدي https://t.co/X6t9Q4gtqS
— ميراث الشهداء (@LegacyOfMartyrs) November 2, 2024
ويعتقد خبراء وباحثون جزائريون في قضايا التاريخ والذاكرة أن الإقرار الفرنسي الجديد سياسي بامتياز، وليس له أي قيمة تاريخية أو سياسية، لأنه لا يقدم جديداً، إذ إن اغتيال بن مهيدي تحت التعذيب هو مسؤولية تقع على عاتق الدولة الفرنسية.
في ذات السياق قال الباحث وأستاذ التاريخ في جامعة خميس مليانة، في تصريات صحفية، إن “إعلان الرئاسة الفرنسية عن المسؤولية في اغتيال بن مهيدي دون أي تداعيات سياسية ومادية لا معنى له”.
وأضاف: “هو مجرد رسائل بلا قيمة واستمرار لسياسة التقسيط والتقطير في الاعتراف بالمسؤولية عن كامل جرائم الاستعمار.. هذه محاولة فاشلة لتجزئة الأحداث والوقائع التاريخية التي سبق أن رفضتها الجزائر تماماً”.
وتابع: “الاعتراف الجديد للرئيس ماكرون باسم الدولة الفرنسية هو رسالة سياسية للداخل الفرنسي أكثر من كونه موجهاً للجزائر، تهدف إلى تخفيف الضغط القائم والتخلص من الأعباء المتعلقة بملف التاريخ الذي لا يزال يثير الجدل في الداخل الفرنسي”.
واللافت أن فرنسا، التي درجت على الاعتراف بالجرائم التي ارتكبتها قواتها في الجزائر بـ”التقسيط”، كالت المديح والثناء لبن مهيدي بعد سنوات من الكذب الرسمي عليه، حيث توقف البيان الرسمي الفرنسي عند محطات مهمة من حياته بدء من نشأته إلى استشهاده.
من جانبه تحدث الإعلامي بقناة فرانس 24، وسيم الأحمر المختص في الشؤون الدولية عن شخصية بن مهيدي القيادية وعن نصيحة المؤرخ بنجامين ستورا للرئيس الفرنسي بضرورة الاعتراف بإعدامه من باب التصالح مع الذاكرة.
والجمعة، كتبت صحيفة «لو موند» أن المؤرخ الفرنسي المعروف، بن جامان ستورا، الذي اقترح على ماكرون العمل من أجل تصالح الذاكرتين الفرنسية والجزائرية، هو من اقترح على الرئيس الفرنسي التخلي عن الكذبة الرسمية وقول الحقيقة بخصوص موت العربي بن مهيدي، الذي قُتل في سن الـ34 عاماً.
ويقارن ستورا بين الأخير وبين جان مولين، بطل محاربة الألمان النازيين، مؤكداً أن العربي بن مهيدي «أهم قائد للثورة الجزائرية ولحرب الاستقلال». وبرأيه، فإن بادرة ماكرون تعني عملياً «الاعتراف بالشرعية السياسية لحرب الوطنيين الجزائريين».
يذكر أن الشهيد البطل العربي بن مهيدي كان يعرف جيدا الطريق إلى الحرية، وقد صاغها في العبارة الشهيرة التي بقيت خالدة بعده: “ألقوا بالثورة للشارع يحتضنها الشعب”، كما ارتبطت ابتسامته الساخرة لجلاديه قبل إعدامه بمعنى التضحية والنضال.
Dernière apparition de notre héros martyr Larbi Ben M’hidi – qu’Allah lui fasse miséricorde – avant qu’il ait été vio-lemment tor-turé, puis tu-é sans pitié!
Ni oubli ni pardon!#Algérie #France pic.twitter.com/ucJ9dtHmul
— أوراس54 🇩🇿 (@aures_54s) November 1, 2024
تعرض لأبشع أنواع التعذيب كي يعترف بأسرار الثورة الجزائرية التي كان أحد مفجريها والداعين إليها، لكنه قابل جلاديه بصمت مطبق فأعدموه وروجوا لمزاعم انتحاره، لكن طيفه بقي يلاحقهم حتى أجبرهم على الاعتراف.
التاريخ حفر اسمه و خلده..
و اسمه مكتوب في السماء شهيدا..حي يرزق
و أجيال و أجيال تحمل اسمه و تردده هو :العربي بن مهيدي.
قال عنه هتلر ..لو كنت أملك منه ٣ لإحتليت العالم كله.
هو العقل المدبر و المفكر و البطل الثوري الوطني…لا مثيل له.
اخذوه إلى القرطة وهو يبتسم للقاء ربه.
🇩🇿 pic.twitter.com/lnCZsAAtVF— Nabila 🤍 (@AnabilaOfficial) November 2, 2024
وجاء في بيان الإليزيه أن رئيس الجمهورية “يعترف، اليوم، بأن العربي بن مهيدي، البطل الوطني للجزائر وأحد قادة جبهة التحرير الوطني الستة، الذين أطلقوا ثورة الأول من نوفمبر 1954، قتله عسكريون فرنسيون كانوا تحت قيادة الجنرال بول أوساريس”.
وأضاف أن “الاعتراف بعملية القتل هذه يثبت أن العمل على الحقيقة التاريخية الذي باشره رئيس الجمهورية مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سيتواصل”، مشيرا إلى أن هدف ماكرون هو “التوصل إلى تشكيل ذاكرة هادئة ومتقاسمة” بين البلدين.
وتابع أن “الرئيس يفكر أيضا في الأجيال الصاعدة، إذ يعتبر من واجبه البحث على الدوام عن السبل لمصالحة الذاكرات بين البلدين”.
وذكّر البيان بأن العربي بن مهيدي -المولود عام 1923 في قرية قريبة من عين مليلة في جبال الأوراس بشمال شرق الجزائر- كان قائد “منطقة الجزائر العاصمة المستقلة اعتبارا من العام 1956” خلال “معركة الجزائر” عام 1957.
وواصل أنه “مثلما سبق أن اعترف الرئيس بالنسبة لموريس أودين وعلي بومنجل، ترافق هذا القمع مع تطبيق نظام خارج مجتمع حقوق الإنسان والمواطن، سمح به التصويت على سلطات خاصة في البرلمان”.
وأشار إلى أن هذا التصويت أعطى في تلك الفترة “الحكومة صلاحيات مطلقة لإعادة فرض النظام في الجزائر، وسمح عام 1957 بإصدار مرسوم يجيز تفويض مهام الشرطة إلى الجيش في الجزائر العاصمة أولا، ثم في الجزائر بكاملها”.
وضاعف ماكرون المبادرات في ملف الذاكرة، معترفا بمسؤولية الجيش الفرنسي في مقتل عالم الرياضيات موريس أودين والمحامي الوطني علي بومنجل خلال “معركة الجزائر”، ومندّدا بـ”جرائم لا مبرّر لها” ارتكبها الجيش الفرنسي خلال المذبحة التي تعرّض لها المتظاهرون الجزائريون في باريس في 17 أكتوبر 1961.
وكرّمت الرئاسة الفرنسية -في البيان- ذكرى بن مهيدي الذي كان من أهم وأذكى قادة جبهة التحرير الوطني، مؤكدة أن “العسكريين الفرنسيين الذين كانوا يعرفونه من سمعته كانوا معجبين به لما يتمتع به من كاريزما وشجاعة”.