ماص 2018
مع كل سنة جديدة، يتطلع الناس إلى الجديد، ومع كل جديد، كل مرة يتمنى الشعب أن يكون هذا الجديد “جيدا”، وكل جيد، يعني أن يكون بردا وسلاما، وإلا ما معنى أن يتبادل الناس التهاني في يوم السنة الجديدة بعبارة “عام سيعد”؟ ويعتبره البعض “عيداّ مع أنه لا عيد ولا أبو عبيد بل، “أبو ـ زيد”. إذا لم يكونوا يحلمون أو يتوقعون بأن هذا العام سيكون خيرا وزيادة، ليس في الأسعار، بل في الرخاء، فلماذا نقول على السنة الجديدة، جيدة “Bonne…”؟
وبما أن احتفالنا بالسنة الميلادية الجديدة، بدعة غربية مسيحية رومانية بيزنطية، ولما أن الرومان والبيزنطيين وأتباعهم في الصبنيول والفرنجة احتلونا، فكان علينا أن نحتفل بعيدهم كغنيمة حروب ونفوز بيوم مدفوع الأجر..بلا تواب!
لهذا السبب ربما، صرنا نهنئ أنفسنا في العام الميلادي الجديدة بعبارة “بوناني” ونقصد به “موفيز آني”! لأن الأعياد، أعياد خير لا أعياد شر، إنما الأعياد التي تعود علينا بالخير والبركة واليسر والمحبة، فهو غير جديد بأن ينعت بالجيد! لا السنة ولا أية مناسبة. لهذا ترانا نقول عن سوء دراية: “بون أني..واش؟ صافا؟” والجواب يكون عادة:”صافا با”، حتى أن هذه العبارة قال عنها الشاعر العراقي الثائر “مظفر النواب”: “وشعب يتبول على نفسه وإذا سألته قال “صافا”! هذا “الصفاييزم” مثله مثل “بونانيزم”: بون آني على ماذا؟ على الغلاء؟ على الحرقة؟
نمت على هذه التساؤلات الأنطولوجية، لأجد نفسي كهربائيا وقد وخرجت يوم أول يوم من عام 2018، وإذا بـ “ماص” يضربني بقوة 380 فولط! الحمد لله متعود على “المس” من شيطان الكهرباء! عدت للبيت وأخذت معي آلة “التيستور”(لأُتسْتي به الجو العام!) فإذا بالتيستور يشعل! عرفت أن الماص موجود في الهواء وأن الجو مكهرب! لكن الناس مع ذلك، لا يأبهون، يمشون ويجرون على الأقدام وبالسيارات والحافلات والموطوات.. وكأن شيئا لم يكن! السبب هو أنهم تعودوا على الجري والهكيش في جو متوتر ومكهرب، بل أن كثيرا منهم هو مصدر التكهرب نفسه: بعض الناس الباتيروت هم أنفسهم “باتريات”! بطاريات من كل الأنواع: من بطارية ساعة يدوية إلى بطارية هاتف محمول إلى باتري بابور! الدليل أن ما إن تتكلم مع شخص، حتى يطير فيك! تحسب ضربه مس من شيطان المس!.. مع ذلك يأكلون ويشتهون ويجرون حتى ولو كانت جيوبهم فارغة!
لبست لباسا عازلا مضادا للمس الكهربائي، ورحت أتجول في هذا اليوم من العام السعيد الجديد في “المدينة الجديدة”! وتعال تشوف العجب: كل شيء ارتفع سعد مرتين، والناس تشتري وتقول شوووف! وأحيانا لا يقولن حتى أوف! النقل زاد، الخضروات غير المستوردة زاد سعرها كأنها من الكماليات! البطاطا بـ80 دينار وأكثر! اللحم، سلم لي عليه، الخبز، الله يجيب! الخبازون زادوا فيه وأنقصوا المكيال والميزان! الناس متخاصمون، المدابزة دايرة حالة، الكفير داير ضل، السب والشتم وقلة الحياء كأنك “في “شهر رمضان المعظم”!
لم أتمكن من شراء أي شيء، بفعل ميزانية جيبي التي جئت بها وأنا أفكر بعقلية ما قبل 3 سنوات بعد أن توقفت عن الشراء لضيق الوقت، وقررت العودة. وما إن رميت قدمي في فناء الدار ونزعت غطاء الرأس الواقي من الماص، حتى كنت أسقط صريع ضربة ماص، كأنها “ماصّة”..مارطو..
وأفيق وقد هوت على رأس وأنا نائم قدرة نتاع الفخار معلقة ديكور فوق رأسي ذكرى أول سفر في حياتي خارج الوطن.