ما يسكن غير طويل العمر وقاسح الكبدة!
وزير السكن قال بالفمّ المليان: “ما يسكن في بلادنا غير طويل العمر”، وأنا أضيف مثلما يقول المثل الشعبي: “وقاسح الكبدة”، وهذه في الحقيقة أمر يستدعي تحركا عاجلا وعادلا لتحرير القطاع من “البزنسة” والسمسرة والفوضى والعشوائية التي أخرجت الجزائريين على مدار السنوات الأخيرة إلى الشارع في كل الولايات، احتجاجا على سوء التوزيع والتأخر في الإنجاز والغشّ والتلاعب في الجودة!
نعم، هناك من “مات” أو كما قال تبون، هناك جزائريون وافتهم المنية دون أن يتحصلوا على حقهم في سكن لائق، وهذه مصيبة كبرى، كما هناك آخرون أودعوا طلبات الاستفادة من سكن في البلديات والدوائر في “عام البو”، وبينهم من كان أعزبا، ومنهم من كان شابا، لكن بعضهم لم يسكن إلاّ وهو رب عائلة “عايش بـ12”، ومنهم من سكن وهو عجوز يعيش سكرات الموت، ومنهم من لم يسكن لا صغيرا ولا كبيرا، وتلكم الطامة الكبرى!
تـُرى: من يتحمّل المسؤولية في هذه المأساة الوطنية؟ التي تحوّلت إلى خطر على النظام العام، ومفرخة لصناعة الاحتجاجات و”التكسار” وإشعال النار، وألا تقنع “مافيا” العقار فتشبع وتتقاسم الخير مع “الزوالية” خاصة في ما يتعلق بمساكن الدولة، سواء كانت اجتماعية أو تساهمية أو ترقوية؟
المشكلة كبيرة والاشكالية أكبر، والقضية عميقة والبحث عن حلولها أعمق، ولذلك لا يجب الاعتقاد بأن تصحيح الأخطاء والخطايا في مجال السكن، سيكون بخاتم سيدنا سليمان أو بعصا سيدنا موسى، أو بقوة سحرية تقول للشيء كن فيكون!
من بين الحلول المتاحة والممكنة، هو مشاركة جماعية في “ثورة” تصحيح الذهنيات واستنهاض النائمين والمتكاسلين والمتقاعسين، وأيضا بمواصلة “الحساب والعقاب” بعيدا عن الانتقام وتصفية الحسابات و”مسح الموس” في ضحايا وأضاحي لا حول ولا قوّة لهم!
رؤساء لجان السكن يتحمّلون جزءا من المسؤولية، الأميار يتحمّلون المسؤولية أيضا، المقاولون والمرقون والبنّاؤون وشركات الإنجاز والمهندسون يتحمّلون جزءا من المسؤولية، الوكالات العقارية تتحمل جزءا من المسؤولية، السماسرة و”البزناسية” يتحمّلون أيضا المسؤولية، “مافيا العقار” تتحمل المسؤولية، لكن بعض المواطنين يتحمّلون كذلك جزءا من المسؤولية!
إذن، المسؤولية تبقى تشاركية، لكن لا ينبغي هكذا تقسيم دمها بين القبائل، فيضيع الحساب والعقاب، وتستمرّ الفوضى والبيع والشراء خارج القانون، وتتواصل الهواجس والمخاطر، ويستمرّ الضغط والابتزاز لاقتسام “الطورطة” تحت الطاولة مع الحفاظ على استمرارية أزمة أو “قنبلة” مفتعلة للسكن!
هناك جزائريون استفادوا من سكن مدعمّ أكثر من مرّة، متسبّبين في معاناة جزائريين آخرين، وهناك “تجار محن” باعوا سكنات الدولة بأكثر من مليار، بعدما تحصلوا عليها “باطوليس” في إطار اجتماعي، أو دفعوا في التساهمي ما لا يتجاوز الـ280 مليون منقوص منها الـ70 مليونا التي يمنحها صندوق دعم السكن كحقّ لكل مواطن!
بربّكم، أليس كل هذا فساد في فساد؟ ومن أين نبدأ حتى يتوقف النزيف وتنتهي الفضائح؟ وهل أصبحت المهمّة مستحيلة بعد زحف العدوى وانتقالها من العدوى إلى الوباء؟.. الله يجعل الخير.