-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
سمة المرحلة في عهد ترمب: توظيف الهلال السني بدل الهلال الشيعي في منطقتنا

ما أشبه اليوم بالبارحة 

بقلم: احمد سريرات
  • 518
  • 0
ما أشبه اليوم بالبارحة 

المرحلة العالمية الحالية شبيهة بفترة بداية الثمانينات من القرن العشرين، لأن فيها جملة من الأحداث والتحديات العظيمة التي تمهّد لتحوّلات جذرية في بنية وطبيعة النظام العالمي. 
سناريو المرحلة الحالية سيكون هذه المرة شعاره الهلال السني، بعد محاصرة الهلال الشيعي الذي لم يؤدي الدور المنتظر منه في المنطقة العربية، بسبب حذر وذكاء الإيرانيين الذين حوّلوا توظيفهم ومحاولة استغلالهم لنشر الفتنة في العالم العربي، إلى خطة محكمة لنشر أذرع حول الكيان الصهيونى بغرض تأجيج فكرة مقاومة هذا الكيان، حتى يتسنى للنظام الإيراني تحصين وتنفيذ مشاريعه التنموية. وأكبر نتيجة تحققت من هذه الخطة هي التحضير العبقري الجيد وفي صمت لقدرات مقاومة حماس وحاضنته الشعبية في مواجهة الكيان الصهيوني وحلفائه.
وكما بدأت مرحلة الهلال الشيعي السابقة بالثورة الإيرانية، فإن مرحلة الهلال السني هذه المرة بدأت بالثورة السورية بنفس الطريقة المفاجئة والسلسة، وكأنّ المخطّط هو نفسه في كلتا الحالتين.

معالم البيئة الجيوسياسية في الفترة السابقة 
في هده الفترة كانت مؤشرات تحوّل النظام العالمي من القطبية الثنائية إلى القطبية الأحادية تتمثّل في تزامن ذلك التحوّل مع تهيئة الظروف الجيوسياسية العالمية لانتعاش أعظم أداة تستطيع إحداث ذلك التغيير المنشود من غرف التفكير والتخطيط الغربية، وهي الثقافة الإسلامية، فبرزت أحداث عالمية في سنتي1978- 1979م وضعت الإسلام في قلب اهتمامات الإعلام العالمي.
ولعزل دور مصر عن أي تأطير أو توجيه للمرحلة وإفراغ الساحة العربية من أي رصيد من الوعي السياسي العربي، تمّ الدفع لإبرام اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل في سبتمبر 1978، وهُيئت الظروف للثورة الإسلامية في إيران لقلب نظام الحكم الملكي في فبراير من عام 1979،كما ظهرت فجأة ملامح خطيرة من ثقافة خرافية من التراث، جسّدتها أحداث مكة المأساوية التي تسببت فيها عملية تنفيذ فكرة “المهدوية”بشكل جريء وعلني في أول محرم من عام 1400 هجري الموافق ل 20 نوفمبر 1979، وأخيرا تمّ استدراج الروس الشيوعيين لاحتلال بلاد الأفغان في ديسمبر 1979.وبالنسبة للجزائر وافق بداية ذلك التحوّل العالمي الوفاةالغريبة والمفاجئة والمحزنة للرئيس هواري بومدين في ديسمبر 1979.
وقد أثّر كل ذلك على وعينا واستفزّنا كشباب مسلم تائه في ذلك الوقت، فتحوّل الأمر إلى مفاجأة غير متوقعة وتحدي كبير لكثير مناوخصوصا بعد الفراغ الأيديولوجي الذي تركه موت الرئيس الجزائري، لأنه كشف لنا أهم عنصر أساسي في ثقافتنا وتنميتنا كنا قد غفلنا عنه وهو البعد الديني.

من الخطاب الوطني الرزين إلى الخطاب الإسلامي العنيف
لقد وضعتنا تلك الحالة في مواجهة تحديات لم نكن مستعدين لها، لأنها شوّشتعلى تفكيرنا وجعلت كل أحلامنا الوطنية الكبيرة في البناء والتشييد بعد الإستقلال تتعثر فجأة بسبب ظهور خطاب إسلامي مفاجئ وغير معهود في ثقافتنا، فكان عنوانه البارز هو تطبيق الشريعة الإسلامية في نطام الدولة وفي حياة المجتمع بأيّ ثمن. وتحدّى أصحاب ذلك الخطاب العنيف فكرة المشروع الوطني وزاحموا السلطة المكوّنة آنذاك من جيل الثورة التحريرية في رؤيتهم الحضارية للتنمية، وسرعان ما نشأ متطرفون منهم زرعوا بذور الفتنة والفرقة في المجتمع.
وكانت سمة التحوّل الجذري في أحلام شباب تلك المرحلة هو تغيّر تصوّر أداة التغيير المنشودة في التنمية، فبعد أن كانت الأداة هي الحداثة واقتفاء أثر الغرب في التطور، أصبحت تحت ضغط التحوّلات في العالم الإسلامي،وبخاصة بعد نجاح التجربة الإيرانية الإسلامية، بغض النظر عن توجهها الشيعي، هي شريعة الإسلام كمنظومة سياسية متكاملة وجاهزة.
وكان حماس أصحاب الخطاب الإسلامي العنيف ودعوتهم الملحّة إلى الجهاد في أفغانستان يستهوي كثيرا من الشباب الباحث لا شعوريا عن بطولات لإشباع غريزة إثبات الذات. وطغت عند المتأثرين منهم بتلك الفكرة الإسلامية المتطرفة نظرة الإزدراء والإنكار الشديد لمظاهر الحداثة في المجتمع وابتعاده عن آداب الإسلام وتعاليمه، فحلّت شيئا فشيئا ثقافة التطرف والعنف في تغيير توجهات المجتمع لدفعه نحو تبني المشروع الإسلامي بالقوة.
قليل منّا من كان محظوظا في تلك المرحلة التاريخية الفريدة فنجا بفضل الله من الوقوع في فخ تلاعب السياسة بالدين، فلم ننبهر بصحوة إسلامية يقودها حماس العاطفة الدينية الجيّاشة بدل نور العلم وأدوات الوعي. ولولا لطف الله الذي جعل طريقنا تعترضه عوامل قاهرة وحاسمة منعتنا من التأثر الأعمى بتلك الثقافة الجديدة والخطيرة، لاكتوينا بنار التمرّد التي كادت أن تصيبنا بعد أن أشعلها ذلك الخطاب الإسلامي بحماسه واندفاعه في وجدان الشباب الذي استقطبه بعاطفة دينية فاقدة للوعي السياسي والحضاري. صار أولئك المحظوظون-وأنا منهم بفضل تكويني في مدرسة أشبال الثورة المرموقة-أكثر واقعية وتفهما في نظرتهم إلى المجتمع بالرغم من عدم رضاهم بمظاهر التحرر المتزايد في السلوك والعادات الغريبة عن ثقافتنا وديننا، فكانت فرصة ثمينة لاكتشاف الإسلام بالمطالعة الكثيفة وحضور مجالس العلماء والبحث المستمر عن حقيقة الرسالة الإسلامية ودورها كدين منزل من الله تعالى في هدايتنا في الحياة الدنيا، بعيدا عن التهريج والاتباع الأعمى للدعاة الإسلاميين الجدد، ودون الغفلة عن الإغتراف بنهم من الثقافة الغربية ومحاولة استيعاب ما نفع منها.
لكن، بعد كل ما حدث في المرة السابقة، أخشى أن يكون الهلال السني أكثر سذاجة وحماقة من الهلال الشيعي، وبخاصة إذا نجحت خطة تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة إلى دول الجوار وعزل وعيهم الإسلامي الحضاري عن توجيه ذلك الهلال السني الهجين. وأتوقّع أنّ أصحاب هذا الهلال المصطنع سيقبل بالتطبيع مع إسرائيل بفتوى مغشوشةوسينشر السلام في محيط الكيان، وسيبث الفوضى في ديار الوطنيين العرب الذين يرفضون توظيفهم في خطط تتعارض مع مصالحهم التنموية ومبادئهم الدينية السامية.

ماذا يعني التحالف الإستراتيجي بين ترمب وإيلون ماسك في المرحلة الحالية؟
يمكن تصوّر هدف هذه المرحلة باستقراء طبيعة نظام الرئيس الأمريكي ترمب وطبيعة حلفائه في السلطة. فأبرز شخصية في نظامه هي شخصية إيلون ماسك، وهو أحد أعمدة التحوّل التكنولوجي في العالم بتصدّره لثورة الذكاء الإصطناعي. فهذا التحالف الإستراتيجي بين شخصية ترمب الجريئة وشخصية ماسك المبدعة يمهّد لنظام عالمي جديد، يقوده لوبي ثورة الذكاء الإصطناعي، والذي سيزيل فكرة القطبية في هذا النظام بسبب توجه شركات هذا اللوبي إلى التحرر من كل وصاية،واكتسابهم لسر قوة المستقبل التي تتجاوز قوة الدول مهما كانت.
والعقبة الوحيدة التي بقيت أمام الغرب لتحقيق هذا التحوّل تتمثّل في قدرة الصين على منافسة هذا اللوبي الغربي والتشويش على خططه، لذلك سيضطرون إلى الاستنجاد هذه المرة بالهلال السني الذي يتّم إنشاؤه حاليا انطلاقا من سوريا، لمحاصرة تمدد الصين واستثماراته في كل مكان بالإسلام المتطرّف، وبالخصوص في أغنى منطقة في العالم وهي المنطقة العربية.

الأمل في رفع سقف طموحاتنا الحضارية
لنا أمل في أخذ العبر من الدروس التي تعلّمناها من مرحلة الهلال الشيعي السابقة وتداعياتها، وبالخصوص من التجربة الجزائرية الملهمة التي رفعت من وعينا الحضاري،فأخرجت الإسلام من دائرة السياسة الضيقة والمفرّقة إلى أفق حضاري واسع وجامع ونافع لتنمية المجتمع والدولة.
ولا يمكن في هذه المرحلة الحسّاسة التصدي بحزم وبصفوف موحدة لهذه الموجة الجديدة من التحديات الوجودية، إلا بتحصين ثقافتنا الوطنية بالبذور الحضارية المبثوثة في الإسلام، التي بإمكانها تغذية حاجتنا الماسة إلى الإحساس بالعزّة أمام الغرب دون عقد ودون غرور، وتحفيز نشاطنا التنموي برفع سقف الطموحات إلى مستوى حضاري راق.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!