الرأي

ما بعد الدستور: بناء الأمة أولوية…

محمد سليم قلالة
  • 1615
  • 0

لعل السؤال الرئيس الذي يَنبغي أن نَطرحه اليوم: هو كيف نُواصل طرح مشروع إعادة بناء أمتنا وتطويرها بعيدا عن كل نقاش مع أو ضد الدستور، ذلك أن الدساتير لم تكن أبدا هي صانعة أمجاد الأمم أو مُحطِّمة لها… العلم والقيم والأخلاق وإعادة بناء الإنسان هي أساس نهضتنا إذا أردنا أن نَنهض، وبعدها تأتي البُنىَ الفوقية والقانونية لتؤطر ذلك، أو لا تأتي…

مشروعنا الوطني المستقبلي ينبغي أن يَنصَبَّ على مثل هذه المرتكزات، إذا أردنا أن نَبني حقًّا دولة وطنية قوية عادلة ومتماسكة: العلم والقيم والأخلاق. بدون تمتين هذه المرتكزات وصَوْغِ رؤية مستقبلية للبلاد انطلاقا منها تبقى كل العوامل المادية والقانونية المُسخَّرة للبناء عوامل فوقية، ربما تستطيع حل إشكالات ظرفية لسلطة أو نظام سياسي أو مجموعات مصالح، إلا أنها لن تُؤسس في كل الأحوال للأمة الجديدة التي نَطمح لبنائها.

منذ استعادة الاستقلال الوطني ونحن نحاول بناء دولة وطنية انطلاقا من القِمّة، بدل أن نسعى لبنائها انطلاقا من القاعدة.. منذ الاستقلال وفئة قليلة هي التي تَسعى لصوغ المشروع الوطني والخيارات الكبرى للبلاد وتعتبرها سارية المفعول على الشعب، أحيانا تَستفتيه مظهريا، وفي غالب الأحيان تَدَّعي أنها أنابت عنه ممثليه مثلما يحدث اليوم.

لم تكن الاشتراكية هي قَدَرنا غداة الاستقلال، ولم يكن الحزب الواحد أيضا، ومع ذلك تم فرضهما. كما لم تكن التعددية السياسية هي قدرنا، ولا الليبرالية هي البديل الشعبي ربع قرن بعد ذلك ومع ذلك تم فرضهما. الشعب الجزائري لم يتغير خلال ربع قرن ليتحول من النّقيض إلى النّقيض، ولِتَتَحَوَّل قراراته من الأحادية المُطْلقة إلى التعددية غير المحدودة. القرارات الفوقية هي التي أدت إلى ذلك، وفوق القرارات الفوقية الظرف الدولي الضاغط والمُهمين في كل مرحلة الذي كانت له اليد الطولى…

غداة الاستقلال كانت الاشتراكية موضة البلدان المتحررة حديثا من ربقة الاستعمار، اخترنا الاشتراكية، وعشية الديمقراطية اكتسحت العالم موجة الإصلاح بعد سقوط الشيوعية فغيرت القرارات الفوقية الاتجاه واخترنا الليبرالية. لم يكن للعمق الشعبي أي دور. وأكدت الوقائع تلك الحقيقة، كاد المجتمع الجزائري أن يتحول إلى الخيار الإسلامي في غالبيته بعد أن تم تمكينه من التعبير الحر سنة 1991. ولم تَنفع ثلاثون سنة من الاشتراكية، ولم يَنفع أول دستور تعددي ديمقراطي. كان بالإمكان أن ينتهي ذلك الدستور إلى نقيضه تماما لو لم يتم كسر اتجاه الأحداث في تلك الفترة…

بالمعنى الحقيقي أن الإرادة الشعبية لم تكن حاضرة في أي من القرارات العليا للبلاد، كانت باستمرار مُغَيَّبَة أو مقهورة، أما الحديث عن العلم والعدل والقيم والإنسان فكان من قبيل الهراء الذي لا يلتفت إليه أحد من صناع القرار الفوقيين.

أي علم وأي قيم وأي إنسان تتحدثون عنه، والسياسة ـ بمعنى ـ هم ـ قادرة على فعل ما تريد بدون الرجوع إليه أو مَنحه أدنى قيمة. لِتكن هذه جميعها آخر الأولويات ـ في نظرهم ـ ولنبدأ بالمهم: تركيز القوة في يد مجموعات قليلة تتحكم في الريع البترولي المقدر بملايير الدولارات، وتمكينها من الآلية القانونية التي تَسمح لها بالاستمرار من غير خوف، ولتكن الدستور.. وبعدها لتأتي المسائل الثانوية التي يتحدث عنها (الآخرون) (العمق الشعبي) أو حتى مَن يُسمونهم بالمتعلمين، لعلها تجد آذانا صاغية مثل العلم والقيم والأخلاق وما ارتبط بهما من قِيم فرعية أو رئيسة..

هكذا كانت منهجية العمل طيلة الخمسين سنة الماضية، وهذا ما ينبغي أن يتغير. المنهجية والغايات لا الأفراد فحسب.

إن تصحيح الأوضاع المقلوبة أصبح ضرورة اليوم إذا أردنا أن نستمر في المستقبل.

لم تكن الاشتراكية هي قَدَرنا غداة الاستقلال، ولم يكن الحزب الواحد أيضا، ومع ذلك تم فرضهما. كما لم تكن التعددية السياسية هي قدرنا، ولا الليبرالية هي البديل الشعبي ربع قرن بعد ذلك، ومع ذلك تم فرضهما.

لا يمكننا أن نستمر كأمة متماسكة فقط من خلال الدستور والقانون واحتكار السلطات المركزية. نحن في حاجة إلى انطلاقة جديدة من العمق الشعبي. وفي هذه الحالة ليس أمامنا سوى إعادة النظر في المنظومة المتحكمة في التعليم من مراحله الأولى إلى العليا، للرفع من شأن المعلم والأستاذ والعالم وطالب العلم. وفي مرتبة ثانية علينا رسم سياسة عامة متجذرة في العمق الشعبي لإعادة التماسك لمنظومة القيم الجماعية والفردية التي لم تهتز عبر التاريخ الجزائري القديم والحديث مثلما اهتزت في العقدين الماضيين نتيجة سياسات محلية هجينة أباحت تجاوز حدود القيم التقليدية باسم الحرية للجميع، وبدعم من عولمة متوحشة سعت بكل الوسائل للسيطرة على الشعوب التي تمتلك قيما نقيضة لها أو هي في طور استعادتها. وبدون شك ستكون مُحصِّلة مثل هذه العودة الحقيقية للذات أن نتمكن من بناء نظام أخلاقي متكامل تُصبح السياسة جزءا منه وليست المهيمنة عليه، ويكون الدستور في آخر المطاف تتويجا له وليس محاولة لتجاوزه أو تغطيته.

إننا اليوم في هذه الحالة بالذات حتى كاد النقاش القانوني والدستوري يعلو كافة النقاشات الأهم، وذات الفعالية الأكبر. ذلك أننا لم نَعرف عبر التاريخ دستورا غَيَّر الإنسان، أما العكس فهو الصحيح.

في التجارب الشرقية والغربية التي سجّلها لنا التاريخ، كان التّحول الذي يَحصل لدى الإنسان من خلال العلم والقيم والأخلاق هو الذي ينعكس على البناء الفوقي للدولة وليس العكس، سواء تعلق الأمر بالحضارات التي كان الدين هو المغير للطبيعة البشرية التي صاغت بنفسها دساتيرها، أو بالحضارات التي كانت الفلسفة والنظريات الوضعية هي التي مهدت لتأسيس شكل الدولة بها.

في تجربة دولة مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام جاء دستور المدينة ـ صحيفة المدينة ـ ( بعد ترسيخ أمر العقيدة وبناء المسجد وتحقيق الأخوة في المجتمع) ولم يأت قبل ذلك، في التجارب التاريخية المعروفة (دساتير حمو رابي) و(دساتير الأثينيين)، كانت جميعها تتويجا لتطور علمي وفكري وقيمي بموازين كل عصر، ولم تَصنع هذا التطور، وذات الشيء بالنسبة للدساتير الشيوعية التي سيطرت على العالم في حقبة من حِقبه حيث كانت للماركسيةـ اللينينية ثم الماركسية الجديدة وحتى الماوية كفلسفة ومنهج تحليل الدور الكبير في الوصول إلى صياغتها بالصيغة التي اقتبسنا منها نحن بعض عبارات الاشتراكية والديمقراطية الشعبية. ولم تخرج الدساتير الغربية الديمقراطية عن هذا المنحى حيث أن فكرة الدستور الأمريكي ما كانت لتبرز من غير فلسفة James Harrington  الداعية لوجود مجلسين المستمدة من النظام المختلط  (الدستوري) لأرسطو القائل بوجود الديمقراطية والارستقراطية… وذات الشيء بالنسبة للدساتير الغربية المختلفة، جميعها كانت معبرة عن المجتمع في مرحلة من مراحل تطوره العلمي والأخلاقي والقيمي  والسياسي، أي نابعة من عمق مجتمعه ومُجسِّد لحقيقة تطوره الحضاري، ولم تكن بالمطلق دساتير فوقية مثلما هو الحال عندنا لأجل شخص أو مجموعة أشخاص أو لتبرير سياسات معينة…

لذا فإنه إذا كان علينا اليوم أن نتخذ موقفا من الدستور الذي سيُصبح بحكم الواقع المفروض ساريا، فليس أكثر من الاستمرار في السعي لتصحيح مسار الأمة في القطاعات القادرة على صوغ ذاتها  بالطريقة المتوازنة التي تُريد. وهذا لن يتم من غير وضع أولوية إعادة بناء المنظومة التعليمية بمختلف مراحلها، والقيمية بمختلف مستوياتها، والأخلاقية بمختلف أبعادها، إذا كنا بحق نريد الإصلاح ولا نبحث في الاستثمار في الخلاف الذي لن يكون سوى سبب آخر لإعاقة تطورنا في المستقبل. 

مقالات ذات صلة