-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ما حكمة الحج؟

بقلم: محمّد الغزالي
  • 213
  • 0
ما حكمة الحج؟

ما حكمة الحجّ؟ ولماذا كان الطواف حول الكعبة، وهي بناء من حجَر؟ سمعت أحد الدُّعاة يقول: إن الله كلفنا بما نعقل فأطعنا، فأراد أن يَبلُوَنا بأفعال الحج ليرى أنطيعه فيما لا نعقل أم نعصيه؟ قلتُ له : هذا كلام رديء، وأفعال الحج ترتبط بحِكَم لا ينكرها العقل، وقد شرحتُها في موضع آخر ولا بأس من إعادتها هنا:
إن الأمم تُغالي بكثير من ذِكْرياتها، وتَقرِن به مشاعر نفسية واجتماعية بعيدة المدى، وقد رُبط النصارى بقبر المسيح وطريق الآلام، كما يقولون، وربط اليهود أنفسهم بحائط المبكى، وأسسوا عليه حقوقًا ما أنزل الله بها من سلطان! فلماذا نستغرب من المسلمين أن يرتبطوا بأماكنهم المقدسة ارتباطًا يبدو عندما يُدرَس أقربَ إلى الرشد وأبعدَ عن الوهم؟
الكعبة هي البيت الحرام الذي بُني لتُقام فيه وعنده الصلوات لله وحده، وقد قيل لإبراهيم وهو يؤسسه: ((لا تُشرِكْ بي شيئًا وطهِّرْ بيتيَ للطائفين والقائمين والرُّكَّعِ السجودِ)) (الحج: 26).. وهذا المسجد الحرام -أعني الكعبة- هو أول مسجد بُني في الدنيا لتوحيد الله ونبذ الشركاء، وتمحيض العبادة لرب العالمين. أليست لهذه الأولية حقوق؟. بلى. وطليعة هذه الحقوق ألاّ يُشادَ مسجد في العالم إلا اتّجه إليه وشارَكَه غايته في التوحيد الخالص. وكذلك من هذه الحقوق المُقرَّرة أن ينبعث كل قادر ليزور هذا المسجد الذي أصبح قبلته حيًّا وميتًا. هذه المعاني هي التي ذكرها القرآن الكريم في أثناء الحديث عن هذه الكعبة: ((إن أولَ بيتٍ وُضِع للناسِ للَّذي ببَكّةَ مبارَكًا وهدًى للعالَمين)) (آل عمران: 96)، ((وللهِ على الناسِ حِجُّ البيتِ مَن استطاع إليه سبيلاً)) (آل عمران: 97)، ((فلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبلةً تَرضاها فَوَلِّ وَجهَك شَطْرَ المسجدِ الحرامِ وحيثُما كنتُم فولُّوا وجوهَكم شَطْرَه)) (البقرة: 144).
من أجل ذلك تنبعث الوفود من المشارق والمغارب، لترى البيت الذي تصلّي إليه، ولتطوف حوله طواف تقدير واحترام.. ماذا يقول الحجيج وهم يطوفون بهذا البيت؟ يقولون: “لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”، يقولون: “سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر”. إنهم لا يعبدون البيت، وإنما يعبدون رب البيت.
والطواف -كما أجمع العلماء- صلاة. لا بد لها من طهارة البدن، ولا بد فيها من خلوص القلب لله. ومَن زعم أن الكعبة كلها أو بعضها يضر أو ينفع فهو خارج من الإسلام.. ومن حق رب البيت أن يضع طريقًا لزيارة بيته، فإذا جعلها طوافًا من سبعة أشواط فليس في الأمر ما يستغرب، ففي طول الدنيا وعرضها توضع طرائق شتى للاستقبالات والاستعراضات
وحكمة أخرى لا تقل جلالاً عن سابقتها، تفسر الطواف حول البيت العتيق، إن الأمة الإسلامية التي تبلغ الآن ألف مليون من البشر بدأت دعَوات حارَّة على ألسنة الرسولين الكريمين اللذين تَولَّيا بناء هذا البيت، دعوة مِلؤُها الاستسلام لله والرغبة في مدِّ عبادته من الآباء إلى الأبناء إلى الأحفاد إلى قيام الساعة: ((ربَّنا واجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لكَ وَمِنْ ذُرِّيّتِنَا أُمَّةً مُسلِمَةً لكَ)) (البقرة : 128)، كما أن هذين الرسولين الكريمين دَعَوَا الله أن يجعل في هذه الأمة نبيًّا يعلِّم ويربِّي ويتلو آيات الوحي الصادق، فكانت بعثة النبي الخاتم بعد قرون طوال، أهناك ذكريات تاريخية أعزُّ من هذه الذكريات. فإذا لم يحُج المسلمون البيت الذي بدأ عنده تاريخهم. فأين يحُجُّون؟! وإذا لم يقصدوا البيت الذي كان نبيهم دعوةً مخبوءةً في ضميرٍ عند بنائه استجابها الله وباركها، فأين يقصدون؟!
إن الكعبة بناء من حجر، ما يُغليها أن تكون بناءً من ذهب ولا يُرخصها أن تكون من خشب، المهم هو المعنى الذي يَحُفُّها! رجل واحد هو في طاقته أمّة، أحب الله من أعماق قلبه، وأُلقيَ في النار لحرصه على توحيده، وخاصم الملوك والجماهير لإعلاء هذه الحقيقة، وتنقَّل بين أرجاءٍ رحبة من الأرض يدعو ويجادل، طوَّحت به سياحاته إلى هذا المكان النائي ليشيد على أنقاض الوثنية حصنًا للتوحيد، ويسأل ربه وهو يبني أن يجعل من عَقِبه أمة تحمي الحق وترفع رايته، أكان للناس عجبًا أن تُهرَعَ هذه الأمة بعدما تَمخَّض عنها الغيب لتزور المسجد الذي وضَع أبوها، وتهتِف من حوله بشعار التوحيد!
إن الأب الراحل دعا الأجيال لتزور بيت الله، وتُوَثِّق حبالها بالعقيدة التي أنشأته، ووقع في قلوب الألوف المُؤَلَّفة صدى هذا النداء، فأتت من كل فجٍّ تقول: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة والملك لك، لا شريك لك. فهل تُتَّهم هذه الوفود الموحِّدة بأنها وثنية؟ أليست هذه السفاهةَ بعينها؟ إن بعض الناس لا يدري المعاني العظيمة التي تحُف مناسك الحج، وقد يكون الحُجّاج أنفسهم من هذا القبيل! (من كتاب مائة سؤال عن الإسلام).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!