الرأي

ما عندي ما انديرلو!

جمال لعلامي
  • 4094
  • 7

ظاهرة غريبة تجتاح المجتمع الجزائري، فاسمعوا وعوا: قال لي أحد الأصدقاء، أنه رافق ابنه إلى المدرسة، وعند بابها صادفه مواطن يتحدث مع معلمة ابنه، قالت له هذه الأخيرة بالفم المليان: “ما عندي ما انديرلو.. قريوه في الدّار”(..).. لم يجد الوليّ ما يردّ به، سوى ابتسامة اليائسين المحبطين، قبل انسحابه، تاركا ابنه يُصارع مصيره مع هذه المعلمة التي تطلب من الأولياء تدريس أبنائهم المتمدرسين في البيوت وعدم انتظار ذلك من المدرسة!

هذه الحكاية، ليست معزولة، أو شاذة، فقد سمعتها من أناس آخرين، وهي في الحقيقة تصرّف مثير وخطير، يُنبئ بانكسار القيّم وتهاوي الأدوار، ولكم أن تتصوّروا كيف ينبغي نقل المدرسة إلى البيت، أو تحويل وظيفة الأستاذ الوليّ، سواء كان أبا أو أمّا، كمهمة جديدة وإلزامية بالبيوت!

كان بالإمكان أن يفهم أيّا كان، بأن الأولياء مطالبون بمساعدة الأساتذة في تعليم أبنائهم، أمّا أن يتنصّل المعلم من واجبه ويُحاول رمي المهمة إلى الوليّ، فهذا أمر مؤسف ومثير للشفقة والإحراج والانزعاج، طالما أنه نابع من استقالة غير مبرّرة من طرف معلمين -الحمد لله أنه ليس كلهم- وهذا لا يعني بأيّ حال من الأحوال، إدانتهم بالجملة والتجزئة، أو تبرئة الأولياء تبرئة شاملة!

نعم، مسؤولية التلاميذ مشتركة، بين البيت والمدرسة، وبين الوليّ والأستاذ، ولا يُمكن فصل هذا عن ذاك، لكن ليس من اللائق أن يبرّر المعلم فشل التلميذ بإهمال البيت أو عدم اكتراث الوليّ، مثلما لا يليق أن يبرّر الوليّ فشل ابنه دراسيا بتراخي المعلم أو عدم اهتمامه بابنه!

نفس القضية، يُمكنها أن تسري على معضلة “الحوت الأزرق”، هذه اللعبة والألعوبة التي ترعب هذه الأيام العائلات الجزائرية، فليس معقولا أن يُمسح الموس في الأسرة، كما لا يجوز أن يتمّ إلصاق التهمة بالمدرسة، فكلاهما مسؤول عن إمكانية انحراف أو استدراج التلميذ إلى فخ لا يُحمد عقباه، ونهايته في الغالب تكون مأساوية ودراماتيكية!

إذا كانت البيوت هي التي تدرّس، وليس المؤسسات التربوية، فلماذا إذن يفتح بعض المعلمين “السماسرة” مطابخ بيوتهم ويستأجرون مستودعات قصد تقديم دروس دعم ودروسا خصوصية للتلاميذ المتفوّقين والفاشلين؟ ولماذا “ينجح” التلميذ الفاشل في هذه “الكوزينات”، بينما يرسب أو يكاد في المدارس العمومية التي تضمن إجبارية ومجانية التعليم؟

للأسف، الجيل الجديد من الأساتذة، لا يختلف كثيرا عن الجيل الجديد من التلاميذ -(حاشا ألـّي ما يستهلش)- ولذلك، تكاثرت وتنامت عمليات التراشق بالتهم، وسقط المستوى، وانهارت الأخلاق كذلك، ولم يعد المعلم ذلك “الرسول”، ولا التلميذ ذاك “الملاك”.. الله يجيب الخير!

مقالات ذات صلة