-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ما هذا التخريف؟

ما هذا التخريف؟

بدل أن يتوجه فكرنا نحو المستقبل، كيف نصنعه وكيف نمكن لبلدنا من أن يعيش فيه، بدل أن نعمل على تجنيد طاقات الأمة حول أهداف مركزية تخص نموها وتقدمها، بدل أن تشدنا قضايا جوهرية رئيسية وما أكثرها جميعها تتعلق بالحالة التي ينبغي أن نكون عليها بعد سنتين أو عشر أو عشرين من الآن، بدل أن نسعى للارتقاء بفكرنا نحو قضايانا الكبرى وكيف يمكننا أن نكون أمة بين الأمم وكيف نعيد للإنسان كرامته في أوطاننا… هانحن نجعل من مسائل لا هي من الدين ولا هي من الدنيا ولا هي من قضايا العقل ولا المنطق ولا العاطفة ولا الشعور، موضوعنا الرئيس الذي نفتتح به قنواتنا، وصحافتنا ونقاشاتنا… وندعو ما نسميه نخبتنا بالتآزر لمواجهته ومجابهته باعتباره خطرا داهما على أمننا القومي بل على وجودنا برمته…

ما هذا التخريف؟ بل هل يوجد تخريف أكثر من هذا؟ وهل يوجد ضحك على الأذقان أكثر من هذا، وهل يوجد تزييف للوعي أكثر من هذا؟ 

إنني لا أكلف نفسي عناء ذكر ما أصبح قضية جديدة اليوم، لأنه علينا أن نُدرِك أنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة من صنفها منذ أن دُفع تفكير الأمة دفعا إلى البحث في ما إذا كانت قطرة من الخل حلالا أم حراما، وما إذا كان الحذاء المصنوع في الصين من الجيفة حلالا أم حراما، بدل إيقاظها من سباتها العميق للنظر في حالها وكيف أنها تأكل من إنتاج غيرها وتلبس من لباسهم وتعيش على فتات ما يتركونه لها… ومقدساتها مسلوبة وأرضها مزروعة بالقواعد الأجنبية، وشعوبها متناطحة، وثرواتها مهدورة وقادتها يسبحون صباح مساء بحمد أسيادهم وحماتهم بدل أن يتحملوا مسؤولياتهم التاريخية ويواصلوا على الأقل المسيرة التي بدأها رواد النهضة الفكرية من أمثال ابن باديس والإبراهيمي وقادة الثورة التحريرية من أمثال ابن مهيدي وعميروش…

ألسنا بهذه الحال نعود القهقرى إلى الوراء، ونقدم الدليل أن قابليتنا للاستعمار على حد قول مالك بن نبي وقابليتنا للاستحمار على حد قول علي شريعتي مازالت حية بداخلنا، وأننا لم نتمكن بعد كل هذه العقود من الانتقال إلى القابلية للنهضة والتقدم ونفض الغبار عن فكرنا الذي لعبت به قرون من الانحطاط والتخلف؟

أليس في مقدورنا أن نتصرف اليوم من خلال بديل آخر، من خلال الالتفاف حول قضايا المستقبل والانتباه إلى أن نجعل من هذه اللعبة الأخيرة التي تريد أن تعزف مرة أخرى على الوتر الديني وتنطلق منه إلى استمالتنا أو إلهائنا أو الانحراف بتفكيرنا لتمرير مشاريع أخرى، بالفعل لعبة هي والتخريف سواء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • سليم الأول

    عندما يغيب أو يغيب الجد فما يكون مآلنا ؟ ... التخريف وما له من تخاريف ................