ما هكذا تكيف المسائل الفقهية!!
جاء في تصريح لافت لمعالي الشؤون الدينية والأوقاف السيد يوسف بلمهدي، يقول فيه إن ابن باديس كان يزور القبور ومنها بطبيعة الحال قبور الصالحين، وبرّر ذلك بالتبرك بوصفه من عادات أهلنا وتقاليد بلادنا في علاقاتهم بالزوايا والأولياء الصالحين…
هذا الكلام لو قاله غيره ما استغربته منه، ولا خطر ببالي لومه عنه فضلا عن عتابه…، ولكن أن يقول هذا معالي الوزير، وهو من الجيل الجديد، ومن خريجي المدرسة الجزائرية الإصلاحية، ومن جيل الصحوة، وفي القرن الـ21، فلا أظن ذلك معقولا وسليما وبريئا من الخطأ، وهذا فضلا عن أن الرجل في معرفتي به أنه من فضلاء جيله .
إن المبدأ العام في زيارة القبور أنها مشروعة؛ بل ومن المستحبات التي رغب فيها النبي محمد صلى الله عليه، وحث عليها بعدما نهى عنها كما جاء في الحديث “كنت نهيتكم عن زيارة القبول ألا فزوروها فإنه تذكر الآخرة”، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، أما ربط هذه الزيارة المشروعة بزيارات أخرى لمواقع معينة أو قبور معينة، فذلك خاضع لنية الزائر والنوايا من العبادات التي يتعين فيها الاحتياط وليس الاندفاع، رغم أن الشبهة قائمة لالتصاق مثل هذه الزيارات بقيم متوارثة من حضارات وثقافات أخرى، ومنها عاداتنا البدعية نفسها، مثل زيارة العاقر لترزق الولد والرجل الذي يدفع الزيارة لتدفع عنه البلاء ومن يتلفظ صراحة بقوله “يا سيدي فلان…”، وهذه الأمور وما شابهها أقل ما يقال فيها أنها تحتاج إلى معرفة نوايا الناس حالة بحالة وهذا متعذر، ولا أرى تبني الإباحة بإطلاق كما يُفْهَم من معالي الوزير، الذي حمل نفسه ما لا يعلم سره وخفاياه، إلا جرأة على القول في دين الله، حيث قال إن الزائرين لتلك القبور الخاصة بالأولياء والصالحين، إنما هي للتبرك فقط؛ لأن الزائرين للقابر يزورون، ولكنهم يسألون الله ولا يسألون القبر…، ألم يجدوا الله في بيوتهم؟ ألم يجدوا الله في المساجد التي يصلون فيها؟ بل إن العبد أقرب ما يكون إلى ربه وهو ساجد، ثم إن الشائع في العرف العام أن “مصطلح الزيارة” فيه من الخصوصية التي تخرجه عن طبيعتها العامة التي حثنا عليها الرسول صلى الله عليه وسلم…
أنا أقدر حرص معالي الوزير على مراعاة الأعراف وجمع الناس على الخير، خاصة وهو يمثل الدولة التي على عاتقها تمتين اللحمة بين أفراد الشعب وفئاته ومذاهبه وخياراته الفقهية، ولكن ليس من حقه وهو يمثل القطاع الديني، أن يلبس على الناس دينهم، بتكييف الأهواء وعرضها على أنها من المقررات الشرعية؛ لأن تشبيه الزيارات ببعضها البعض غير مقبول، لفقدان الخصوصيات التي تتطلب ذلك، فزيارة الأولياء مثلا فيها شبهة مخلة بعبادات الناس وعقائدهم، فلا يجوز أن نَعْرِض الأمور التعبدية بهذه السهولة والتبسيط المخل.
ثم بوصفي من أبناء جمعية العلماء، وهي “المتهمة” بالعداء المزمن للزوايا والطرق الصوفية، التي يصف معالي الوزير رئيسها الأول: الشيخ عبد الحميد ابن باديس بما وصفه به…، أذكِّر بالموقف الرسمي التاريخي والحالي للجمعية، وهو أن المبدأ المرفوض من الزوايا ومن غيرهم أيضا، هو تحريف الأحكام الشرعية، فما حرمه الشرع لا يجوز لأحد اقترافه، من أهل الزوايا أو من غيرهم؛ لأن الدين دين الله، والعبادة لا تشرع إلا بإذن من الشرع، لأنها ليست من العادات التي يمكن للعقل أن يتصرف فيها بفضل إدراكه للمحاسن والمفاسد المترتبة على القول والفعل… أما الموقف من الزوايا وأهل الطرق الصوفية، فإن لرجال الجمعية مواقف موافقة وأخرى معارضة لما يصدر عنها، وفق المعيار الشرعي المنضبط، ولهم لقاءات ومراسلات وزيارات لرجال الزوايا، فقد كانت هناك مراسلات بين الشيخين ابن باديس الإصلاحي، ومحمد الطاهر العبيدي الصوفي، وكانت له زيارات لوالد وزير الشؤون الدينية الأسبق بوعبد الله غلام الله، فقد قال لي هو شخصيا أن ابن باديس زار الوالد في زاويته في إحدى جولاته بالغرب الجزائري؛ بل إن أمير شعراء الجزائر الشيخ محمد العيد آل خليفة كان تيجانيا وهو من أعمدة الجمعية المعروفين، ومع ذلك فموقف ابن باديس من بعض البدع الشائعة في المجتمع الجزائري بين أهل الطرق الصوفية خاصة واضح وصريح جدا، ولم يمنع علاقة ابن باديس الحسنة مع الرجال والزوايا أن يعلن موقفه من بدع شاعت في بعض الطرق في بلادنا وغير بلادنا.
أما بعد الاستقلال فقد انتفت الكثير من مساحات الخلاف التي كانت بسببها تشتعل النيران بين الطرقيين ورجال الإصلاح قد قُلِّصت وكما قال الشيخ عبد الرزاق قسوم، إن خلافنا مع الزوايا ليس خلافا معهم من حيث هم، وإنما لأسباب انتفى الكثير منها، متعلقة بالموقف من الاستعمار وبسبب اختفاء بعض البدع والانحرافات الفقهية، بفضل الحركة العلمية التي قادتها جمعية العلماء قبل الاستقلال وانتفع بها رجالها كما نفعوا بها غيرهم، وواصلت على نهجها وزارة الأوقاف بعد الاستقلال، وقد كان بفضل الله الذين تولوا قيادة وتأطير وزارة الأوقاف من شيوخ الزوايا التربوية السنية ورجال الإصلاح ومن تربوا في ظلالهما، ابتداء من أحمد توفيق المدني إلى العربي سعدوني إلى مولود قاسم نايت بلقاسم إلى بوعلام باقي وعبد الرحمن شيبان وسعيد شيبان…، ومن إطارات الزوايا أيضا أذكر نموذجين ممن اعرف وهما الأستاذ عبد المجيد الشريف من الطريقة القادرية وآل القاسمي من زاوية الهامل.
إن الموقف المبدئي موقف شرعي، ولا علاقة به بالأشخاص والهيئات التي يندرج فيها أبناء إخواننا من كل اتجاه أو ذاك، وهو موقف من البدع وما يضاف إلى الدين مما لا يعد منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”.
وإذا تكلمنا عن الطرق الصوفية بوصفها من الموروث الثقافي التربوي والديني، فلا شك في ذلك، ولكن هل كل موروث مقبول ونحرص على بقائه؟ أم أن كل موروث يحتاج إلى غربلة ليبقى الصالح ويندثر الطالح؟ (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) [الرعد 17].
يمكن أن يحتفي الناس بذكرى معينة بوصفها من الموروث الثقافي ومن التاريخ، ولكن لا يمكن أن تصنف هذه الذكرى من الأمور المقبولة تعبدا… وأنا هنا أفرق بين العادة والعبادة، فما كان عادة فإنه لا يضر إن لم تكن له إضافة حسنة، أما على مستوى العبادة فلا ينبغي التساهل؛ لأن المشرع للعبادات هو الله وليس البشر.
وفقهنا الإسلامي غني من هذه الناحية، حتى أن العلماء يضطرون أحيانا للإفتاء بمنع أمور مشروعة خوفا من الوقوع في الابتداع في الدين، كما يروى عن الإمام مالك أنه لا يرى صوم الست من شوال، وذلك بسبب النهي عن الصيام في أواخر شعبان، حتى لا يلحقه الجهال برمضان، وقد وجه الفقهاء رأي مالك بأنه كره الصيام في أوائل شهر شوال، مثلما هو الحال اليوم، حيث أصبحوا يحرصون على صيامها بسرعة، وهذا الصنيع يعرض العبادة إلى بدعة منكرة؛ لأن الناس يتحولون على مر الأيام الى التعامل مع الست من شوال وكأنها فرض مثل رمضان، وهذا غير مشروع بلا شك.