ما يبقى في الواد غير حجارو !
يشاء القضاء والقدر، أن تنطلق الحملة الانتخابية وسط اضطراب جوي عنيف، في عزّ الربيع، حيث جرفت الحملة المترشحين الذين اختاروا البداية من المقابر والأسواق والربوات المنسية التي أدرجوها في وقت سابق ضمن خانة “المناطق المحرّمة”، لكنهم اليوم يعودون إليها مخيرين أو مضطرين بحثا عن صدقات انتخابية تبقيهم في برّ-لمان، أو تدخلهم إلى هذه القبة التي تحلب ثلاثين مليونا في الشهر!حتى وإن جرفت الحملة أو “صلاّحة النوادر” التي استبقت موعدها تبرّكا بالتشريعيات، فإنه “ما يبقى في الواد غير حجارو”، حيث سيكرّم كلّ المترشحين أو يُهانون في اختبار العاشر ماي، الذي سيكون على غير العادة صعبا وعويصا ومعقدا ومففخا، ولن ينفع فيه الغشّ و”الحروز” نظرا لتشديد آليات الحراسة والمراقبة!
الساعات الأولى من عُمر الحملة الانتخابية، تعطي الانطباع بأن الأغلبية المسحوقة “لم تسمع” بعد بألاف المترشحين وعشرات الأحزاب المهرولين والمتسوّلين عبر الأسواق والمساجد والساحات العمومية، وهناك من المترشحين من سيطرق أبواب البيوت بحثا عن صوت انتخابي ولو في “كرش يمّاه”!
من الطبيعي أن لا يُستقبل المترشحون بالورود، ومن البديهي أن لا يسمع البعض إلاّ بموعد الانتخابات الرئاسية، ومن المنطقي أن يهدّد ويتوعّد غاضبون -من المترشحين والنواب والأميار وليس من الانتخابات- بممارسة حقهم في “العقاب الجماعي” ضدّ هؤلاء الذين خانوا الأمانة وحوّلوا المجالس المنتخبة والبرلمان إلى مراقد عمومية!
نعم، المشكل ليس بأيّ حال من الأحوال، في الانتخابات كحقّ وواجب وطني، وإنـّما الإشكالية في هؤلاء وأولئك الذين شوّهوا سمعة المجالس المنتخبة وضربوا هيبتها ومصداقيتها في الصميم، وحوّلوها بممارسات غير قانونية وانحرافات غير مشروعة، إلى أوكار تلاحقها لعنة التحقيقات والمتابعات القضائية والتوقيفات والاحتجاجات!، لا يُمكن لوزير أو نائب أو مير أن يترشح لعضوية البرلمان القادم، وقد فشل في مهمته وهو مسؤول، وعجز عن اقناع المواطنين عندما كان “على ديدانو”، والأكثر والأخطر من ذلك، لم يستجب لانشغالاتهم ومطالبهم ولم يستقبلهم للاستماع لهم في حدود المقبول والمعقول، فكيف به اليوم يفلح في استدراجهم إلى تجمعاته الانتخابية وإلى التصويت له!
لا يُمكن لوزير تمادى في الخطأ، ونائب فرّ من دشرته وتخلى عن ناسه، ومير لم يصلح حتى في طسّ الحفر وزبر الشجر، أن يُقنع المواطنين بالمشاركة القوية في الاقتراع طالما أنه لم يقتنع هو شخصيا ولعدّة سنوات، بأنه خادم عند الشعب وتحت تصرّف الدولة!
كان بإمكان الأحزاب أن تـُنجح “التغيير” وتكرّس الإصلاحات لو أنها عاقبت هؤلاء المتورطين في سوء التسيير وتعطيل المشاريع وتكريه المواطنين في الانتخابات، بدل أن تفوّض أمر هذا العقاب إلى الناخبين الذين اقتنع جزء كبير منهم، بأن العقاب يعني عدم الاكتراث بالتشريعيات والمحليات وعدم التوجه إلى صناديق الاقتراع!
من المثير، أن تختزل الأغلبية الانتخابات في الرئاسيات فقط، وهي بذلك تعتقد جازمة بأنها ستؤدّب الوزراء والنواب والأميار، الذين يستحقون حسب رأي الشارع محاكمة شعبية في ساحة الشهداء!