ما يجتاح مخيلة المراهق من أفكار عجيبة هو بذرة من التميز
يتواصل الآباء والأمهات مع المتخصصين النفسيين والمستشارين التربويين للتساؤل عن المشكلات التي يمر بها أبنائهم في مرحلة المراهقة، ويظن بعضهم أن هذه المرحلة هي مرحلة انهيار تربوي، يعتقدون فيها أنهم فشلوا في تربية أبنائهم وترويض عاصفة المراهقة.
في حين ينطوي هؤلاء المراهقون أو ينفجرون في وجه القيود التي يعتقدون أن المجتمع خاصة الآباء والأمهات يفرضونها عليهم، يعتقد بعض المراهقين أنهم طاقة هائلة لا يحسن المجتمع استيعابها، فيتجهون هم بكل ثقة لإثبات أنفسهم من خلال ممارسة العمل الخيري الميداني!
تواصلنا مع الناشطة بتول آل شبر – 17 عاماً – الطالبة في الصف الثالث ثانوي، وهي مؤسسة فريق ننهض سوياً التطوعي – بالمملكة العربية السعودية- والذي يضم المراهقات العاملات في مجال العمل التطوعي وكان معها هذا الحوار:
– كيف كانت بداية انخراطك في العمل التطوعي وهل كان لاسرتك او مدرستك دور في ذلك؟
بداية انطلاقتي كانت قبل أربع سنوات تقريباً وكنت في ال13 من عمري ، حيث كنت أذهب لعدة دورات ومهرجانات تقدم فيها استشارات وفعاليات خيرية، ثم تطور الأمر وتعلقت بحب العمل التطوعي ونشر الخير فتطوعت في مهرجانات بصحبة نخبة من المجموعات التثقيفية ثم عدة مؤسسات اجتماعية و جمعيات خيرية ومراكز توعوية، كمركز البيت السعيد ونادي خطوة واعدة ثم مؤسسة واكب والعلوم المقرمشة، ويعود ذلك النماء بفضل الله ثم تشجيع ودعم والداي حيث كانا فخورين بي و يشجعوني بكلمات الدعم المعنوي.
– حدثينا عن طبيعة نشاطاتك في مجال العمل التطوعي؟
طبيعة أعمالي التطوعية تنوعت، ولكن أغلبها اعتمدت على التنظيم أو إلقاء المحاضرات التوعوية، فمثلا حين بدأت بمهرجان الوفاء كنت مع حملة “معاً لمنع الإساءة للطفل”، وشاركت في التنظيم حيث أدرت ركن تحليل شخصية الطفل من رسمته، يلي ذلك عدة فعاليات بالمدرسة، ثم كانت لي تجارب رائعة ومثيرة في إلقاء المحاضرات، فتوجهت أكثر لمجال الإلقاء كما هويت فيه من إيصال المعلومات والمبادئ عن القيادية وتقدير الذات والنجاح و تطوير النفس، كما تعلمته بعدة دورات تدريبية، وقراءات مختلفة للقيم الفكرية والمعرفية للأطفال والشباب في مراحل بنائهم لمستقبلهم.
كذلك أيضا أحببت الاستزادة من العمل التطوعي كما تعلمت مع فريق العلوم المقرمشة في تقديم عروض علمية، وعموما فإن حب الخير للناس والإيمان بأهمية النهوض بالمجتمع في العلم والعمل هو أساس رفع المستوى الحضاري وغرس بذور التعاون و التكافل بين الأجيال.
-لماذا تحبذين المشاركة العامة في العمل التطوعي دون الانخراط مع جمعية خيرية معروفة؟
شاركت في فرق تطوعية متفرقة تعرفت عليها بعدة مهرجانات، فانضممت لبعض أعمالها والتي قمت بها بعد حضور عدة دورات تدريبية وتأهيلية عند الانضمام لهم ، وفعلا جميع الأعمال التي قدمتها كانت متفرقة ومختلفة الأماكن فنحن لم نلتزم بجمعية معينة، لأن عند الانضمام لجمعية خيرية سيستلزم ذلك الالتزام معهم بشروط معينة، ومداومة العمل تحت مسؤوليتهم، لكن العمل بفرق منفردة يبدو أفضل مما يوفر حرية اختيار الفكرة المقدمة، وبساطة تطبيق جميع آراء الشابات والفتيان بدون حدود الجمعيات.
-كيف كانت بداية فريق ننهض سويا ولماذا قام على جهود المراهقات فقط؟
نحن فتيات في ال 17 من العمر، وفريقنا يتكون من 7 عضوات و 20 متطوعة وبداية تواصلنا كانت في دورة وورشة عمل عن الشخصية القيادية وتقدير الذات، حيث كان لدينا عدة أفكار وطموحات نستعد لها.
وحددنا أهدافنا، وهو ربط أواصر المودة والتواصل بين الأبناء والآباء، حيث أن للطفولة والمراهقة صوت نريد إيصاله للمجتمع، ليستمعوا للطفولة ويتفهموا احتياجاتها، ويلبوا نداء المراهقة وبناء التواصل الإيجابي بين الأجيال، ونسعى لنشر الثقافة الحقوقية ليغدو جيل المستقبل جيل واعي، يعيش على مبدأ السلام وخصوصا بين الأطفال، كما نعمل على نشر ثقافة العمل التطوعي والخيري بين الأجيال وبالخصوص المراهقين.
وبدأنا نشاطنا عبر إنشاء مجموعة تثقيفية على صفحات التواصل الاجتماعي، ثم أقمنا برامج توعية للشباب والمراهقين، يتضمن تعريف بالمهن وطريق الحماية من التحرش الجنسي، والفرق بين الغذاء الصحي والضار ومجموعة ألعاب كذلك، وقمنا بترتيب العديد من المحاضرات والندوات في المدارس المختلفة، وقمنا كذلك بعمل برنامج كوني ذاتك، وعن القيادية والابتسامة والتعبير عن الطموح والكثير من الأركان الخاصة بالتوعية.
-البعض يؤمن بضرورة استغلال خبرات الكبار، والبعض يؤمن بضرورة استغلال طاقات الشباب والمراهقين .. برأيك كيف ممكن دمج الخبرات مع الطاقات؟
أولاً يجب أن يؤمن المجتمع بأن المراهق يعاني من مشكلات كثيرة، ليس لكون أنها أول خطوات طريق المستقبل، بل لأنها مرحلة تكوين شخصية الفرد، فهو يواجه عقبات في سبيل إثبات وجود الشباب، ويعاني من عدم ثقة المجتمع في قدراته وطاقاته، فتجد الكثير من المؤسسات تستنكر قدرة المراهق على الاجتهاد والإبداع في العمل التطوعي وبالتالي ترفض استقبال العديد ممن يصغرونهم عمراً، وقد صور الإعلام الحاضر الكثير من سلبيات الفراغ والسطحية في حياة أغلب المراهقين، كما يعاني المراهقين من الحيرة التي تواجهه في اختيار الصواب من الخطأ، وحيرة اكتساب الخير من الشر، وحيرة تحمل المسؤولية من اللهو والمتعة، لذا يتوجب استغلال هذه الطاقة الهائلة التي يملكها كل شاب وفتاة في بناء الأفضل لذاته ومجتمعه.
من الجميل أن يكون هناك مبادرة تحقق تواصل المراهقين والكبار معاً وتضع في حسبانها هذه المشكلات، فمع ذوي الخبرة وحداثة فكر المراهقين يمكننا إنتاج جيل أوعى وأكثر حبا للعمل التطوعي في خدمة الوطن، بمعونة الكبار مع الثقة والإيمان بقدرات المراهقين والسماح لهم بالإبداع، سيتغير ذلك الكثير في حياة البشرية.
– هل يكون للعمل التطوعي دور في الحد من هذه المشكلات التي تتحدثين عنها.. وكيف؟
للعمل التطوعي دور بالغ الأهمية في التقليل من حدة هذه المشكلات، وقد يكون السبب في منع تفشيها، فلولا العمل التطوعي لما صلح حال الكثير، فأنا تعلمت منه محبة الغير مهما كان عمره أو منصبه، تعلمت من العمل التطوعي السعي الجاد لتحقيق الأهداف والإصرار لأجل الطموحات، تعلمت من العمل التطوعي معنى التعب لرسم ابتسامات الآخرين ثم نشوة الرضا عن النفس، تعلمت من العمل التطوعي مهارات التواصل والإقناع و التأثير، تعلمت منه الكثير والكثير، فمن يعمل في الأنشطة الاجتماعية والخيرية تجده دائم التفاؤل والإرادة و الحماسة، لأن كل عمل يقدم من أجل الوعي والرقي بمن حوله بلا مقابل يكسب الإنسان أمل في الحياة بقوة في تحقيق الأمنيات والسعادة.
-كيف يساهم التطوع في تطوير شخصية المراهق؟
يساهم العمل التطوعي في زيادة الثقة بالنفس ورفع تقدير الذات، وتطوير مهارات الفرد الاجتماعية في التواصل، ويكون الشخصيات القيادية البناءة، بما يزيده من جرأة وشجاعة الإنسان في التأثير على الآخرين، ثم أن العمل التطوعي أساس ترسيخ مبادئ التعاون والتكافل بين المتطوع والآخرين، ومن أعظم صفات المتطوعين القدرة على التعبير عن الرأي وذلك بسبب مشاركاتهم المتنوعة، والقدرة على تقبل الآخرين والتعامل معهم بكل سماحة وسهولة، مما يكون شخصيات إيجابية فعالة.
فكل مراهق لديه طاقة هائلة من وقت وقوة في آن واحد، فإن أروع ما يقدمه العمل التطوعي هو توجيه هذه الطاقة في منفعة للمجتمع بدلاً من أن تكون مهدورة في اللهو والعبث، والمراهق الفعال اجتماعياً والناشط تطوعيا تجده أكثر استغلال لأوقات الفراغ بكل ما هو مفيد، فالعمل التطوعي يستغل القوة التي يملكها الشباب وطاقتهم في تنمية المجتمع وزيادة حضارته نحو الرقي، فبدلاً من أن تنشغل الفتيات بمتابعة الأفلام وإدمان الانترنت، والشباب على ملاحقة الفتيات، أو التسكع بالأسواق، فان العمل التطوعي يوفر لهم تعلم المفيد مع المتعة واستكشاف قيمة الحياة.
-الطموح والخيال الإبداعي عند المراهقين قد يساعد في تنمية وطرح أفكار عديدة لتطوير العمل الخيري، والتي يجب ألا يستهان بها، كيف ترين هذا؟
قد يأتي في مخيلة أحدهم وأول ما يتبادر للأذهان أن المراهق هو شخص طائش عابث ليس له هدف، ولكن في واقع الأمر هذه فكره خاطئة، لأن كل مراهق هو مشروع كبير وهائل للغد والمستقبل، فالفئة العمرية هذه تملك طموحات لا حصر لها، وما يجتاح مخيلة المراهق من أفكار عجيبة هي بالحقيقة بذرة لربيع من التألق والتميز في تنمية الحاضر، فقد اعتادت معظم المؤسسات والمراكز على النمط التقليدي في العمل التطوعي، لكن عدم الاستهانة والإنصات الصادق للمراهقين سيفتح أبواب شاسعة من تطوير ورفع مستوى العمل التطوعي في جميع طرقه ونواحيه.