الرأي

ما ينبغي أن يتغيَّر في وعينا

محمد سليم قلالة
  • 3461
  • 26

“استعادة القدس تبدأ بالتفوُّق في ميادين العلوم والتكنولوجيا”… هذا ما قاله أحد المناضلين الفلسطينيين المخضرَمين، لأعداد من الأساتذة والطلبة، نظَّموا تجمعا داخل الحرم الجامعي نصرة للقدس الشريف. عبارة تُلَخِّص كل الذي ينبغي أن يتغير في وعينا بشأن قضايانا المصيرية وقضية فلسطين بالتحديد، أوحى بها هذا المناضل إلى الجيل الصاعد، وهو الذي عَرَف سبب الهزائم السابقة، وعاش زمن الشعارات الزائفة، وأدرك معنى الإعلان عن معارك “مصيرية” دون توفير الأسباب الموضوعية لها. قالها لكي يُسهم في تصحيح اتجاه الوعي لدى جيل لم يُرِده أن ينطلق من أرضية هشة وإرادة مهزوزة ووهم بالنصر غير مجدٍ كما حدث لجيله من قبل.

ألم نكُن نتحدث في حقبة الستينيات والسبعينيات عن إمكانية استعادة حقنا المغتصب في الوقت الذي كان فيه بناؤنا هشًّا أو غير مكتمل، ووعينا مُشَتَّتًا غير مدرِك لطبيعة المرحلة ولنوعية التحديات التي تواجهنا؟ ألم نُدرك أن بلداننا إنما انهزمت وقُدسنا سُلبت لأننا كُنا في حالة تخلف علمي وتقني متجذر، انعكس على جميع مناحي حياتنا؟

ألم نُدرك إلى حدِّ الساعة أن جميع معارك اليوم إنما أصبحت مرتبطة بعامل أساسي واحد هو العلم والتكنولوجيا؟ أليس التقدم العلمي هو الذي أصبح يتحكم اليوم في ميزان القوة السياسي والاقتصادي؟ ألم تتغير طبيعة القوة اليوم؟ أم إننا مازلنا لم نُدرك طبيعة هذا التحول؟

يبدو أننا لم نكن لِنسمع العبارة السابقة، لو لم يشعر هذا المناضل المخضرم، بأن حركة شبابنا اليوم مازالت تحكُمها الكثير من ترسُّبات الأمس إن لم يكن قد رآها لم تخرج كثيرا عن هذه الترسبات، وعلينا أن نقف عند ذلك.

لا نستطيع أبداً أن نتطلع إلى إمكانية الانتصار في العقود القادمة إذا لم ننتصر على مستوى هذه الجبهة. هذه حقيقة ينبغي أن نسجِّلها إذا أردنا أن نبني بناءنا على أسس صلبة حقيقية. لن تكون صيحاتنا مهما كانت مُدوية، أو حتى انتفاضتنا لأجل القدس، ذات معنى، إذا ما استمرت حالنا على ما هي عليه، نعيش بغذاء غيرنا، ونعالج بدوائهم، ونوهم أنفسنا بالتقدم بتكديس منتجاتهم، فضلا عن الزعم بإمكانية حماية أنفسنا أمنيا ومعلوماتيا في ظل تلك الهوة الشاسعة بيننا وبينهم في الميدان العلمي والتكنولوجي.

إذا ما كانت هناك من جبهة ينبغي أن نستعدَّ لتحصينها، لأجل الغد، فهي بحق جبهة البناء الداخلي. وقد صَدق محدِّثنا عندما نبَّه إلى ذلك بقول تلك العبارة، وهو الذي كان بإمكانه أن يفرح وهو يسمع شبابنا يمنِّي نفسه بالانتصار دون أن ينتبه إلى حقيقةٍ طالما كانت سبب انتكاساتنا المتكررة، السير خلف الوهم، وخلف الشعارات.

مقالات ذات صلة