مبادرات بتوفير “الإيواء” للأساتذة المتعاقدين بالتربية
بادرت مديريات التربية للولايات باتخاذ ترتيبات إجرائية وتنظيمية لصالح الأساتذة المستفيدين من إجراءات “التوظيف التعاقدي” بعنوان السنة الدراسية الحالية، عبر توجيهات صارمة لرؤساء المؤسسات التربوية، تحثهم على ضرورة الإشراف الشخصي على توفير “الإيواء” لفائدتهم، خاصة فئة المعيّنين خارج الولاية أو القاطنين في مناطق بعيدة عن أماكن إقامتهم الأصلية.
وجاء هذا الإجراء الإنساني والميداني لإعادة الاعتبار لدور الأستاذ كفاعل رئيسي في العملية التربوية، وصدر في سياق سعي وزارة التربية الوطنية إلى تخفيف معاناة التنقل اليومي الذي يواجهه المئات من الأساتذة الجدد الذين تم توظيفهم بعقود مؤقتة خلال الموسم الدراسي الجاري 2025/2026، وكذا تسهيل التحاقهم بمؤسسات عملهم في الوقت المحدد من دون تأخير، وذلك في ظل شكاوى متكررة من صعوبة التنقل وبعد المسافات، خصوصًا في ولايات الجنوب والهضاب وبعض المناطق الريفية.
خطوة هامة لدعم الاستقرار النفسي والبيداغوجي
وفي هذا الإطار، أفادت مصادر “الشروق”، أن مسألة الاستقرار النفسي للأساتذة تعد أحد أهم العوامل التي تؤثر على جودة التعليم والتحصيل المدرسي، وعليه، فالأساتذة المتعاقدون، بحكم تعيينهم المؤقت أو بعدهم الجغرافي عن أماكن الإقامة، يواجهون تحديات كبيرة تتمثل في طول المسافات، غياب النقل المنتظم، وعدم توفر السكنات الوظيفية.
ومن خلال مراسلة رسمية صادرة عن مصالح المستخدمين، موجهة إلى مديري المؤسسات التعليمية للأطوار التعليمية الثلاثة بهدف التنفيذ ومفتشي الإدارة للتعليم الابتدائي بغية المتابعة، تكون مديريات التربية للولايات، قد وجّهت إشارة واضحة إلى اهتمامها بالجانب الاجتماعي للعاملين في القطاع، بما يضمن لهم الحد الأدنى من الراحة والاستقرار أثناء أداء مهامهم التربوية.
وإلى ذلك، لفتت مصادرنا إلى أن المراسلة تؤكد على ضرورة تمكين الأساتذة المتعاقدين من الإقامة المؤقتة داخل المؤسسات التربوية التي تتوفر على فضاءات أو مرافق غير مستعملة، مع مراعاة الشروط الصحية والأمنية واحترام النظام الداخلي للمؤسسة.
كما تشدد مديريات التربية، من خلال نفس التعليمة، على أن هذا الإجراء يظل استثنائيًا ومؤقتًا إلى حين إيجاد حلول دائمة، مثل تخصيص سكنات وظيفية أو تسهيلات في النقل المدرسي للأساتذة القادمين من مناطق بعيدة.
ومن هذا المنطلق، فقد أشارت المراسلة ذاتها إلى أن رؤساء المؤسسات التربوية مطالبون وجوبا بالحرص التام على التنسيق المباشر مع مصالح مديريات التربية للولايات، لأجل ضمان التطبيق السليم لهذا القرار، ومتابعة وضعية كل أستاذ متعاقد، مع رفع تقارير دورية حول ظروف الإيواء واحترام المعايير المعتمدة.
إشادة في الميدان واستحسان من الأسرة التربوية
وبناء على ما سبق، أوضحت ذات المصادر، أن هذه المراسلة قد لقيت ترحيبًا واسعًا في أوساط الأسرة التربوية، خاصة في المناطق النائية التي تشهد عجزًا في السكنات وضعفًا في النقل، حيث اعتبر العديد من الأساتذة أن هذا القرار يعكس تفهّم الوزارة الوصية لمعاناتهم اليومية، ويمثّل خطوة إيجابية في سبيل تحسين ظروف العمل وتثمين الجهد التربوي.
وفي تصريحات لبعض الأساتذة، الذين استفادوا من هذا الإجراء، أكدوا أن الإيواء داخل المؤسسة التعليمية، مكّنهم من تجنب الإرهاق اليومي الناتج عن التنقل الطويل، ومنحهم وقتًا إضافيًا لتحضير الدروس ومتابعة التلاميذ بشكل أفضل.
وفي مقابل ذلك، دعا نقابيون إلى ضرورة تأطير هذه الخطوة قانونيًا حتى لا يتحول إلى حل دائم يُغفل حق الأستاذ في السكن اللائق، مطالبين بإدراج بند واضح في القوانين الأساسية يضمن توفير السكن أو المنحة الخاصة بالمناطق النائية.
أما من الناحية الإنسانية، فقد أكد متتبعون للشأن التربوي على أن هذه المبادرة تعكس وعيًا متزايدًا بأهمية الجانب الاجتماعي في مهنة التعليم، الذي غالبًا ما يتم إغفاله أمام التركيز على البرامج والمناهج الدراسية.
وبالتالي، فإن الأستاذ باعتباره محور العملية التربوية يحتاج إلى بيئة مستقرة آمنة نفسيًا واجتماعيًا حتى يؤدي دوره التربوي على أكمل وجه، ومن ثمة، فإن الاهتمام بإيواء الأساتذة المتعاقدين ليس فقط إجراءً تنظيميا، بل هو رسالة تقدير للجهود التي يبذلها هؤلاء الأساتذة في سبيل أداء رسالتهم رغم الصعوبات.
وأبرزت مصادرنا أنه ورغم إيجابية المضمون، فإن تطبيق هذه المراسلة يثير بعض التساؤلات حول الإمكانات المادية والبنية التحتية للمؤسسات التربوية، خاصة تلك التي تعاني من الاكتظاظ أو ضعف الخدمات، حيث أنه ليس كل مؤسسة تربوية تتوفر على فضاءات مناسبة للإيواء، ما يستدعي تدخل السلطات المحلية لتوفير حلول بديلة، على غرار استغلال المرافق التابعة للبلديات أو دور الشباب أو إقامة شراكات مع مديريات أخرى للتربية لتخصيص إقامات قريبة.
دعوات لوضع آليات مراقبة لتوفير إيواء جيّد
كما يُنتظر من مفتشي التربية ومديري المؤسسات التعليمية، وضع آليات مراقبة فعالة لضمان أن يتم الإيواء في ظروف لائقة تحترم خصوصية الأساتذة وكرامتهم.
واستخلاصا لما سلف، فإن المراسلة تعد أكثر من مجرد تعليمة تنظيمية، فهي تحمل نفَسًا إنسانيًا وميدانيًا يُعيد الاعتبار لدور الأستاذ كفاعل رئيسي في العملية التربوية، وعليه، فإذا ما تم تنفيذها بصرامة وبشراكة محلية فعالة، فقد تشكل نواة لتجربة ناجحة في تسيير الموارد البشرية التربوية بطريقة واقعية وعادلة، خاصة وأن هذه الخطوة تندرج في إطار سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها وزارة التربية الوطنية، مؤخرًا، لتحسين ظروف العمل في القطاع، ومن أبرزها مراجعة مهام الأساتذة الجدد، وتحيين المرسوم التنفيذي 25-54 الخاص بالأسلاك والرتب، وكذا فتح مناصب دائمة للمتعاقدين وفق المسابقات الوطنية.
مع ذلك، يبقى إيواء الأساتذة المتعاقدين ليس حلاً نهائيًا، لكنه بداية مسار نحو إصلاح أوسع يعيد التوازن إلى المدرسة الجزائرية بين الواجب المهني والحق الإنساني في ظروف عمل تحفظ الكرامة وتدعم الأداء.