-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

متى تكون الدّنيا فتنة؟

سلطان بركاني
  • 710
  • 0
متى تكون الدّنيا فتنة؟

ربّما لكثرة مشاغلنا الدّنيوية وقلة الأوقات التي نحاسب فيها أنفسنا، لم ندرك أنّنا نعيش زمانا أصبحت فيه الدّنيا إلها يعبد من دون الله، وأضحى المال صنما تنبض له القلوب وتسبّح له الألسن. فتحت أبواب الدّنيا على كثير من المسلمين، فتنافسوها وتزاحموا عليها، ولم يعد الحديث عن فتنها يثير اهتمامهم أو يقرع قلوبهم، بل تقاتل كثير من عباد الله المسلمين على حظوظها؛ فلأجلها عقّ الابن أباه، وعادى الأخ أخاه، وأساء الجار إلى جاره.. وتحقّق في كثير منهم ما حذّر منه الحبيب المصطفى -صلّى الله عليه وآله وسلّم- حين قال: “فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ” (متفق عليه).

المشكلة ليست في أن تكون الدّنيا في يد العبد المؤمن، فهذا مطلوب خاصّة لمن محّص النية وأحسن استغلال النّعمة، إنّما المشكلة في أن تدخل إلى قلب العبد فيتعلّق بها، فتنسيه الله والدّار الآخرة، وتحمله على إضاعة دينه والزّهد في آخرته؛ يصبح عبدا للدّنيا، يضيّع لأجلها صلاته ويهجر كتاب ربه ويقطع رحمه.. يجمع الصّلوات الخمس في آخر النّهار وينقرها نقر الدّيك ويقول: “الله غالب الخبزة”! ينام عن صلاة الفجر بحجّة التعب لكنّه إذا اقترب وقت العمل يقوم نشِطا مسرعا حتّى لا يفوته الوقت.. يحزن أشدّ الحزن إذا خصم مسؤول العمل يوما من راتبه ويحتجّ ويظلّ أياما لا حديث له إلا عن القدر الذي خصم من راتبه، لكنّه لا يحزن ولا يتحرّك قلبه إذا ضيّع صلاة من الصّلوات، ولا يحزن إذا مرّت عليه أيام لم يفتح فيها المصحف.. يحزن لأجل ابنه الذي أخفق في امتحان أو تأخر في إيجاد عمل، لكنّه لا يحزن وهو يرى ابنه لا يركع لله ركعة ولا يعرف للمسجد طريقا.. يحزن لابنته أنّها لم تحصل على المعدّل الذي تمنّته في امتحان من الامتحانات، لكنّه لا يحزن لأجل أنّها تكره الحجاب الواسع وترفض لبسه!

المشكلة ليست في أن يتحرّك العبد المؤمن لكسب رزقه، ويسعى لزيادة مدخوله وأرباحه، إنّما المشكلة في أن يكون جمع المال وزيادة المداخيل والأرباح هو همّه الأوّل والأخير الذي ينافس عليه النّاس من حوله.. يرى جاره يصلّي الصّلوات الخمس في بيت الله، فلا يغار منه ولا تحدّثه نفسه بمنافسته، ولا يسأل نفسه: لماذا جاري لا تفوته صلاة في بيت الله وأنا أصلّي في البيت وأجمع الصّلوات في آخر النّهار؟

والله إنّها لرزيّة أن يكون تنافسنا هو في الدّنيا ولأجلها وحدها فقط.. مشكلة أن يغار الواحد منّا من أخيه أو قريبه أو جاره أو صديقه لأجل سيارة أو سكن أو وظيفة، ولا يغار لأجل الصّلاة وحفظ القرآن وصلاح الأبناء.. والمشكلة الأكبر أن نتنافس في الحرام؛ في السّطو على الأملاك العامّة، في حيازة الأراضي وإعادة بيعها.. نتنافس على قروض “الأونساج” وقروض البنوك الربوية ونحن نعلم أنّها محرّمة وأنّ أخذ الربا وإعطاءه كبيرة من كبائر الذّنوب.. نتنافس في الحرام ويوجد بيننا من يتحسّر على أنّه لم يأخذ حظّه منه، يتحسّر ويتألّم لأنّه “ما طارتلوش في لونساج”! وهو لا يدرك أنّ نيته هذه تلحقه بمن أخذ الحرام، في الاثم؛ ففي الحديث أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “إنّما الدنيا لأربعة نفر”، وذكر من بين الأربعة: “وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا فهو يخبِط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء” (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح).

الرزية أن يصل الأمر بعبد مسلم إلى حدّ لا يبالي فيه من أين يأخذ ماله، أمن الحلال أم من الحرام؟ لا يبالي ولا يهتمّ إن كان راتبه الذي يتقاضاه كلّ شهر حلال أم حرام، تعب لأجله أم إنّه يأخذه بالغشّ والتحايل والكسل؟ لا يبالي ولا يهتمّ إن كان الربح الذي يجمعه من تجارته حلال أم حرام. ويزداد الطّين بلّة حين ينفق العبد ماله في الحرام، في السّجائر وشراء الألبسة الضيّقة وفي تتبع الموضة المزرية، يقول الإمام سعيد بن المسيب -رحمه الله-: “إن الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها وطلبها بغير وجهها ووضعها في غير سبيلها”.

التعلّق بالدّنيا لا يقف بالعبد عند نسيان الله والدّار الآخرة وقطع الأرحام وإضاعة الصّلاة، وحصر همّه في المال والشّهوات، بل قد يصل به الأمر إلى بغض أحكام الشّرع التي تنغّص عليه التوسّع في الحرام، وبغض الآمرين بالمعروف النّاهين عن المنكر، وشيئا فشيئا حتّى يصل به الأمر إلى النّفاق، وربّما يختم له بخاتمة لم يكن يتوقّعها: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم)) (محمّد: 9).

إنّ ما نعيشه ونراه في أنفسنا وواقعنا، ينبغي أن يحملنا على الخوف من سوء المنقلب، وكيف لا نخاف الدّنيا على أنفسنا ونحن نرى كيف أخذت الدار الفانية بمجامع قلوبنا وأسرت أرواحنا؟ وكيف لا نخاف على أنفسنا النفاق وسوء المنقلب ولا نخاف الدنيا الغدّارة أن تسلبنا إيماننا ونحن نعيش زمان الفتن الذي قال عنه النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا” (مسلم)؟

أصحاب النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- الذين جاهدوا في سبيل الله ونصروا النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وعزّروه وزهدوا في الدّنيا وشهد لهم القرآن بأنّهم خير أمّة أخرجت للنّاس، مع ذلك كانوا يخشون على إيمانهم ويخافون النّفاق على أنفسهم، بقول التّابعيّ ابن أبي مليكة -رحمه الله-: “أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه”، وهذا أحدهم، أبو الدرداء رضي الله عنه، سمعه رجل يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال أبو الدرداء: “اللهم اغفر لي ثلاثا، لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه”.. وهكذا المؤمن الصّادق، يخاف على إيمانه من الدّنيا وفتنها أكثر من خوفه على دراهمه ودنانيره، يقول الحسن البصريّ -رحمه الله-: “ما خاف النّفاق إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق”.

إنّنا في زمن مخيف ومرعب، لكثرة الشّهوات والشّبهات التي تحملها وسائط التواصل ووسائل الإعلام وأثخِن بها الواقع وتشرّبتها كثير من القلوب والعقول؛ فينبغي لكلّ واحد منّا أن يخاف على نفسه الفتنة وعلى قلبه أن يتسلّل إليه النّفاق الذي يبدأ ذرة صغيرة، فلا يلتفت إليه فيكبر ويكبر حتى يغطي القلب، وربّما يصلّي العبد والنفاق في قلبه ينمو ويكبر وهو لا يشعر، فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ لَيْسَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ” (أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي). فلا إله إلا الله. لماذا كلّ هذا؟ لأنّ الدنيا تعمر القلوب فلا تترك فيها شيئا للآخرة، حتّى يصبح العبد وهو في بيت الله لا همّ له ولا حديث إلا الدّنيا، يدخل المسجد فيصلي ركعتين ينقرهما نقرا، ثمّ ينحاز إلى صديق أو رفيق ليتحدّثا في الدّنيا ويخوضا فيها شرقا وغربا حتّى تقام الصّلاة وهما يتحدّثان في الدّنيا.. الأمر مخيف والوضع الذي آلت إليه أحوالنا ينبغي أن يحملنا على الخوف وعلى عقد العزم على التوبة والإصلاح، والإصلاح إن لم يكن في البداية فربّما يصعب في النّهاية.

الدنيا فتنة إذا لم يحسن العبد التعامل معها، وفتنتها ليست في الاستمتاع بما فيها وأخذ النّصيب الكافي والوافي منها، إنّما في إعطائها أكبر من قدرها، وفي امتلاء القلب بهمّها حتّى لا يبقى فيه مكان لهمّ الدّار الباقية.

ليس المقصود من هذا الكلام أن نصل إلى اليأس، لكنّ المقصود هو أن تكون قلوبنا بين الخوف والرّجاء، وأن يخاف الواحد منّا على إيمانه أن يسلبه، ويتواضع لله ويبكي بين يديه بالليل ويدعوه أن يثبّت قلبه ويحفظ له إيمانه، ويختم له بالحسنى.. الإيمان بالله رزق من الأرزاق، بل هو أثمن وأغلى رزق في الوجود، ومن لم يخف على هذه النعمة ويسعَ في حفظها، فربّما تؤخذ منه في أيّ لحظة، نسأل الله السلامة والعافية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!